Thursday, August 25, 2011

الأرض



أتذكر أن المشهدين الأكثر تأثيرًا في السينما المصرية اكتسبا أهميتهما من المقطوعة الموسيقية التي كانت تدور في الخلفية. أعني المشهدين اللذين يسببان لي ألمًا حقيقيًا في القلب؛ مشهد قتل هنادي (زهرة العلا) في فيلم «دعاء الكروان» وذعر آمنة أختها (فاتن حمامة) مع الموسيقى الرائعة التي وضعها الموسيقي الأجنبي (أندريه رايدر)، والمشهد الأخير في فيلم «الأرض» عندما تلقى محمود المليجي ضربات البندقية على رأسه وظهره، فيما كان دمه يسيل ليروي «الأرض العطشانة»، التي لحنها علي إسماعيل.

الخميس 3 فبراير، نقص الأدوية مع كثرة أعداد المصابين لم يمنعا روح المصريين المرابطين في ميدان التحرير من الارتفاع عنان السماء، أعلى من مئذنة عمر مكرم، و أعمدة النور التي تسلقها أحد الشباب الأبطال فيما بعد ليرفع علم مصر. في كل ركن كنت أرى مصابين، ضمادات أغلبها على الرؤوس وفوق الأعين، كان الملاعين يوجهون الحجارة بحيث تكون قاتلة، تماما كما كانت قوات «الأمن» تحاول حفظ «الأمن» بتوجيه الرصاص للقلوب والرؤوس.

كنت أهرول كالمجانين في الشوارع المحيطة بالميدان، كل المحلات مغلقة إلا بقال أو اثنين تشجعا في سبيل رزق لا ينافسهم فيه أحد، لا صيدليات، وكأن جملة «خدمة 24 ساعة» التي يتباهون بها صارت سبة. على حدود عابدين، لمحت صيدلية تبيع للزبائن من وراء باب حديدي. أظن أني أخذت كل ما لديهم من مضادات حيوية وقفازات طبية ولفافات الضمادات، لم يكن كافيًا، لا شيء كان بإمكانه سد الثقب الغائر في قلب تلك البلد، الثقب الذي اخترقته الرصاصات المتتالية حتى صار الدم في كل مكان.

كررت رحلتي مرتين حتى استسلمت، ثم عدت للميدان أتجول فيه كالسائحين وأفكر أنه من الصعب أن أكون قد شاركت في ثورة لم أحمل منها أثر جرح، أو حتى صورة.. الهتاف لا يعفي من الإحساس الممض أنك لم تفعل ما فيه الكفاية، أنك أقل من أقل جرح أصيب به آخرون كانوا بجوارك.

كان العشرات مازالوا واقفين على كوبري أكتوبر بانتظار أي فرصة لاستكمال الخيانة. أمام المتحف المصري أخذته فجأة في حضني. رجل أشيب الشعر، مصاب كالمصابين، يسير مهرولا باتجاه تمثال الشهيد عبد المنعم رياض، ويتمتم بكلمات غير مفهومة. كان يبكي بحرقة لا تناسب رجلا مصريا اعتدت منه أن البكاء «لا يليق بالرجال». بشكل غريزي بحت لا أفعله حتى مع أبي، جريت إليه واحتضنته، ربتت على كتفه وفهمت منه أن ابنه مات في المستشفى من إصابة يوم 28 يناير. بكينا سويا وهمهمت بأنهم «مش هيضيعوا» وأقسمت له مرارا وكنت متأكدة وقتها أني لن أترك أحدا يضيّعهم من أجل خاطر هذا الرجل الطيب.

الآن، كلما أتذكر أيام الميدان والبكاء والرصيف الذي ذهبت لأكمل بكائي عليه أمام تمثال عبد المنعم رياض والشهداء الذين ضاعوا أكثر من مرة دون أن أنجح في تنفيذ ما وعدت الرجل به، أحاول أن أتخيل الموسيقى التي كان يجب أن تكون في خلفية المشهد. لا أستطيع أن أفكر في الثورة التي يتحدثون عنها في كل مكان، إلا بالحضن الفجائي للرجل المفجوع، وأحيانا لا أذكر من كل الأيام التي قضيتها في الميدان إلا هذه اللحظة، تتضاءل حتى لحظة فرحتي بتنحي المخلوع أمام انكسار القلب ذلك الصباح الذي يبدو بعيدًا.

الآن، كلما مررت أمام المتحف المصري، أسمع الموسيقى التي تفطر القلب عندما انغرس الخنجر في قلب هنادي، وأرى كعب البندقية وهو ينزل على ظهر رجل أشيب الشعر دامع العينين، لا أعرف اسمه ولا أستطيع أن أحتضنه، أخفي عيني بعيدًا عنه لكي لا يتعرف عليّ، أو أتلبس بالدم فوق الأسفلت الأسود الذي لا ينبت مهما شرب منه.

4 comments:

ع.سالم said...

ياااااه ..!

بوست حقيقي ومؤلم جداً !

أحمد الشمسي said...

مش هيضيعوا يا ملكة.. إن شاء الله مش هيحصل

M.R said...

هو دا تحديدا اللي بيخليني اغضب، ازعل، اكره دين أم حقيقة العبث

علشان كدا لازم اقولك: يا جزمة

مهـــــا said...

:(
وجدان جمعي للثوار


...
هو خلاص الثورة ضاعت ؟