Wednesday, June 20, 2012

Monday, May 21, 2012

كيف تعلمت أن أحب الشرفات الدائرية



المربعات حادة جدًا
مثلي،
أما الدوائر فتحضن بعضها بالفطرة..
ليس من حرج على هؤلاء
الذين يعيشون في شرفات ليست دائرية،
أو حتى هؤلاء الذين لا يملكون شرفة بالأساس..
الدوائر كلها دافئة
الدوائر احتمال لا نهائي
حتى لو كانت مجرد «نصف»..
الشرفة نصف الدائرة
نصف برتقالة
أو على أفضل الأحوال الاقتصادية،
نصف بطيخة..
عندما أقف في منتصف الدائرة تماما
أكون في أقرب نقطة للسماء
وللشارع الصاخب..
لا أحب الوقوف على قدم المساواة
على مسافة واحدة من العالم..
في الشرفات المستطيلة أو المربعة
لا أحب مساواة «الخارج» بالواقعي
لهذا - مثلا- أعشق الأسبلة
وقبلة المسجد المزخرفة
وجلوسنا متجاورين على كنبة دائرية
تبتلعنا في أعمق نقطة منها،
وتضم علينا في النهاية
بأطرافها الخارجة..

شرفة دائرية صغيرة
...ليس أكثر


Monday, May 07, 2012

أنت روح العالم


ما الذي يوحِّد هذا الخليطَ المرعبَ من الأشلاءِ والأحلام، من الموتِ والحياة، طموح الحياة في أن يحيا البشر بكامل إنسانيتهم، أحرارًا يمتلكون شمس نهارهم، كما يمتلكون مصيرهم.

يقف الإنسان اليوم على حافةِ الجنون في هذه المنطقة بالذات، يقف على حافة انفجاره، محتشدًا بغضبٍ لا حدودَ له وهو يراقب ظلامَ الغطرسة يفترس روحه وجسده ويتسلى به ببطءٍ دام، يكفي أن يراقب المرءُ نفسه، شاعرًا كان أم فنانًا أم بائع خضار، قليلا وهو يتتبع فصولَ مأساته الزاحفة، حين يشاهد الأخبار، أخبار المذبحة المستمرة هنا وهناك.. يكفي ذلك ليرى نفسه فيما بعد، ودون أن يدري، ذاهبًا لتفقد أطفاله واستدعاء وجوه أحبته وأصدقائه وأسماء الكتبِ التي يود أن يقرأها والشوارع التي تمنى أن يسير فيها والمدن التي أحبها قبل أن يراها.

روح العالم أين تتجسد الآن؟ أين تسكن؟ وكيف تستطيع اليوم الحفاظَ على براءتها في زمن القتل على الهواء مباشرة، والحفاظ على ارتفاعها في زمن الطائراتِ العمودية التي تصر على أن تسوي كل شيء بالحضيض، لا بالأرض؟ أين يمكن أن تتوارى هذه الروح القابضة على سحر جمالها، جمرةً، في زمن طائرات الشبحِ الخفية؟ وكأن العالم كان بحاجة لشياطين جدد بأرديتهم الفضفاضةِ السوداء.

روح العالم أين يمكن أن تتجول اليوم في زمن اصطياد الأجنةِ على الحواجز العسكرية والحدود المغلقة التي تحوّل حليب الأطفال إلى هدف استراتيجي لدبابات ميركافا وصواريخ توما هوك واليورانيوم المنضب وغير المنضب.

روح العالم أين هي اليوم في زمن محاكم التفتيشِ الجديدة، في العصور التي نعيش، في العصور التي نموت، العصور الأكثر حلكةً في تاريخِ البشر، العصور العار، عصور القتل الجماعي على الهوية والدين ولون العيون، عصور العنصرية التي تتقدم لاقتياد شعوب بأكملها ودول بأكملها وتحويلها إلى مزارع عبيد يعمل فيها البشر مقابل الحصول على رائحةِ طعامهم لا أكثر؟
إبراهيم نصر الله
السيرة الطائرة

Monday, April 16, 2012

بعيدًا عن الثورة التي خربت البلد

أنت لا تشعر بكل هذا الغضب والعجز عندما تُسرق إلا لأنك تجد نفسك أمام الظلم مجسدًا. أسئلة كثيرة تراودك، لماذا أنا، أهمها، وقيمة ما يسرق منك ترتفع فجأة ليصبح أهم شيء امتلكته في العالم. ستظل تفكر كثيرًا في روتين حياتك الذي غيرته مرة فتعرضت للسرقة، وتجلد نفسك لأنك لم تكن حريصًا، لأنك ظننت أن كل تلك الأشياء «تحدث للآخرين فقط»، لأنك سرت في شارع بعينه في لحظة بعينها فكنت ضحية ملائمة لنشال على موتوسيكل.

في قسم الشرطة يواجهك الغضب النقي، نفس المبنى كانت النيران تطقطق فيه منذ عام أو أكثر، وكان المشهد مبهرًا، رغم كآبته كان محررًا لروحك، أنت الذي لم تضرب على يد شرطي، أو تسمع سبابًا لأمك من أحد الضباط إلا عند مرورك أمام موكب فلاديمير بوتين بالقرب من كوبري الجامعة.

تقسم لنفسك أنك ستكون مهذبًا وأنت تحكي تفاصيل السرقة، ستقلل نظرة الازدراء التي تأكل وجهك، وستحاول أن تحتفظ بنبرة صوتك محايدة من أجل «مصلحتك أولا»، ومن انفعالات المخبر الأول الذي سألك ما الذي حدث تدرك أنك فاشل تماما فيما عزمت عليه.

تحكي القصة ست أو عشر مرات، كل «من دب ودب» يسألك وكأنه سيأتي لك بما سرق منك حالا. تود لو تقول لكل منهم أنك تفهم، وتعلم جيدًا ما الذي يفعلونه، أو بالأحرى لا يفعلونه، هنا، تود لو تخبرهم أنك لم تأتِ لأمل كاذب في أن يكونوا شرفاء فيقومون بعملهم ويعيدون ما سرق، بل لأنك تحاول أن ترضي ضميرك فقط.. سرقة، بلاغ، ولننس جميعًا الأمر برمته، كما نسي من قبله كل شيء.

الضابط الوسيم يستقبلك في إحدى الطرقات، يقول لأحد المخبرين «مكتب رئيس المباحث»، وما من مبرر حقيقي لذلك، ففي كل الأحوال سيحيلك رئيس المباحث للضابط نفسه، ثم لكاتب المحضر. غرفة رئيس المباحث بازخة للغاية، سجاد فاخر، ستائر، معطر جو وفواحة على شكل تحفة، شاشة مسطحة، أنتريه حديث.. وخلف المكتب الماهوجني يجلس كائن متهدل اسمه رئيس المباحث. يتفصحك البيه بنوع من "معاينة البضاعة"، ثم يقول لنفس المخبر الذي أتى بك إليه "رجعه للظابط".

متى تحولت لما يشبه المتهم؟ العناكب معششة بوقاحة في كل مكان، رغم أن تجديد القسم لم يمر عليه أكثر من شهور، «الأهالي»، يفسر لك الضابط سبب تجديد القسم بعد حرقه يوم 28 يناير، في الوقت الذي مازال فيه قسم السيدة زينب مثلا على عروشه لم يمسسه أحد من يومها.

غرفة الضابط أقل بزخًا من غرفة رئيس المباحث، تحوي فراشًا مهندمًا، تلفزيون يعرض فيلم «الديكتاتور» وستائر متسخة وسجادة أكثر اتساخا وكنبة أنتريه واحدة، ومكتب ماهوجني مطعم بنحاس صديء. ينظر الضابط لك ويبتسم.. يعامل الجميع بلطف، حتى صبي القهوة المجاورة للقسم الذي أتى خصيصًا لأن «والله لازم تشرب حاجة، هو لو احنا عملنا كمين تحت بيتك مش هتنزل لنا الشاي يعني؟».. رضيت بالشاي لأنك تعرف أنه لولاه، ما كان للضابط أن يجد أيا ما كان ليقوله لك.

يدخل ضابط آخر، يلقي نظرة سريعة عليك، ويبدأ دون مقدمات في فرد سجادة صلاة ويصلي. أنت تعرف منذ زمن أن معظم المخبرين لديهم زبيبة صلاة واضحة طبعًا، وكأن هناك علاقة مريبة بينهم وبين الرب، أو علاقة بين الشكل العام لضابط مسلم وبين المجتمع، وهي علاقة تفترض أنه لا مشكلة إطلاقا في تعارض الانتهاك مع الدين.

يبدأ الضابط الأول في تخفيف ألمك العاطفي، بالتدريج تختفي وعود عرض صور لمسجلين الخطر والتعرف على السارق ليحل محلها «فداك»، و«الحمد لله إنها جت على أد كدة». يشرع في سرد حوادث نشل تعرضت فيها نساء لاعتداء بالمطواة، أو سقطت على الأرض فانكسر أنفها وعادت السلسلة الذهبية المسروقة إليها ولكن «بعد إيه». يغلي رأسك، تقول بحدة مقننة «كان ممكن تتواجدوا في المكان، مش أول مرة حد يتسرق هناك».. يسوق مبررات واهية، أهمها «الثورة» وما فعلته بهم، بالهيبة وصور المسجلين التي احترقت، يحكي لك أساطير عن ذكاء النشالين، وتخطيطهم لسرقتهم قبلها بوقت كاف وطبقا لجغرافيا المكان. الخلاصة التي يريدك أن تصل إليها: الثورة فعلا خربت البلد، الأمناء والمخبرين مجموعة من السذج الغلبانين، النشالين والسارقين خارقي الذكاء، ربما أكثر من جورج كلوني في أوشينز 11، والسلسلة المسروقة لن تعود فاحمد ربنا.

يدخل فجأة مخبر وبيده طفل مقطع الملابس يبكي ويكرر دون توقف «والنبي ماتضربني»، يتوتر الجو، يطلب الضابط منك أن تذهب مع الصول - أيا كان اسمه لكن لديه زبيبة أيضا- لكتابة المحضر الذي لا يدخل في نطاقهم الجغرافي «لكن عشان خاطرك مش هيكسفوك»، بمجرد خروجك من حجرة الضابط، ينغلق الباب بعنف وتسمع الطفل يكرر بشكل جنوني سريع «والنبي ما تضربوني»، بينما صوت الأقلام المرزوعة على وجهه يلف المكان.

كاتب المحضر لا ينسى أن يأتي بكوب الشاي الذي تركته كما هو في غرفة الضابط، يسألك عن مواصفات السلسلة المسروقة، لكنه الصادق الوحيد الذي يخبرك ببساطة «مش هترجع طبعًا». خلف الكاتب تقبع مجلدات: سجل المخدرات، سجل الجثث المجهولة من.. إلى، سجل القتل، سجل النشل (3 مجلدات ضخمة)، سجل السرقة (مجلد للسيارات وآخر للمنازل)، سجل فرض السيطرة- البلطجة (4 مجلدات)، سجل الأمناء المفصولين من الشرطة، سجل مصانع تصنيع الأسلحة، سجل المفقودين.

صوت الطفل المضروب يصل أسماعك فتتذكر جملة لا تعرف أين قرأتها أو سمعتها، ضابط يقول لمواطن شريف «شايف كل بتوع حقوق الإنسان اللي قارفينا دول؟ الواحد منهم لو اتسرقت منه حاجة معندوش مانع نجيب الحرامي ندعكه ضرب هنا لغاية ما يقر بمكانها». تتذكر أيضا فتاة الليل التي أوسعها الأمين ضربًا في ميدان السيدة فجرًا.. كنت على الصف المقابل من الواقعة وتسمع بوضوح صوت يده وهي تنزل على وجهها وجسدها، تتذكر أنك بكيت في الشارع وغضبت على من معك ولكنك لم تفعل الشيء الوحيد المحترم وقتها، لم تمنعه.

فجأة يدخل الطفل وهو مقيد اليدين بالكلابشات من خلاف، ملابسه مقطعة تماما هذه المرة، ويبكي لكن دون «والنبي ما تضربني»، يجره المخبر لنهاية الغرفة الواسعة ويجبره على الجلوس القرفصاء. تتحاشى النظر لعيني الطفل المضروب، نهنهاته فقط تدر الدموع العاجزة من عينك دون أن يلحظ أحد، في قرارة نفسك تعرف أنك لست أفضل من كل أولاد القحبة هؤلاء، فقط لديك قليل من المشاعر، أقل مما ينبغي لتمنع الظلم عن إنسان.

تتفحص وجوه كل المخبرين الذين صارت الغرفة تعج بهم، كلهم بقمصان مخططة، إما بالطول أو بالعرض، تفكر أن تحتفظ بملامحهم في ذاكرتك، لربما تقابل أحدهم في مظاهرة ما، أو تتلبس بوجه مألوف منهم في «عسكر نشطاء» أو ما شابه، ما الذي يمنع أن يكون أحدهم قد تولى مراقبتك لفترة ما مثلا؟

تخرج من السجن، من قسم الشرطة إلى الشارع، ولا يتبقى من كل ذلك سوى لعنات متتالية، عالية الصوت وكأنك مجذوب، لعنات طالت كل شيء، ولم يكن هناك للأسف من يريد أن يسرقها، على الرغم من أنهم نجحوا من قبل في سرقة الثورة التي «خربت البلد».



Saturday, April 07, 2012

واحد بانيه وسط بالجبنة


غريب أن تكون ملهمًا رغم أنك لم تفعل شيئا في الحقيقة. ما يعنيني أن مجرد رؤيتي لاسمك بين الصفحات تجعلني أكتب، آه والله هكذا، دون اكتئاب أو مرارة ضرورية لإشعال جذوة الكتابة نصف الميتة داخلي.

هناك طبعًا أنصاف القصص، التي لم تحي أصلا لتموت، ولكنني ككل البنات الساذجات اللاتي أسخر منهن، أعتبر تلك القصة عاشت فترة فعلا، ثم ماتت وأنت موجود عادي.

أرضعت القصة من ثديي، وأنت كنت تربت عادي على كتفي لمزيد من إدرار الحكايات. كان من الصعب إلى حد ما أن يظل ضرعي ملآن بعد رحيلك، يكفي أنني أساسا ارتضيت كوني بهيمة طوال كل تلك الفترة العصيبة من تاريخي، ولهذا، تحولت الحكايات والابتسامات واللهفة، والخدود الوردية بزيادة عند رؤيتك، إلى جبن مالح، لا يؤكل في الحقيقة من جفافه وتعرضه للشمس وكثير جدًا من الذباب.

سعيد؟ صعب.. بينك وبين الرضا نصف الأرض. في مرحلة ما، لا أدري متى فقد فات الأوان على أية حال، ستشعر بندم بالغ على فرصك التي أهدرتها، وستكون كل شماعات "التوقيت المناسب"، "الخروج من علاقة قديمة"، "الماديات"، "عدم جهوزية النفس" قد تحللت تمامًا، لدرجة أنك - تصور- ستقف أمام المرآة ببساطة وتنظر لنفسك بتمعن قائلا "غبي"!

كل ما هنالك أنني أردت أن أقبلك في جبهتك، بسيطة، قبلة نصف بريئة، ممتزجة بشهوة مخفية تحت ركام صدأ، تماما في منتصف الجبهة، وربما واحدة أخرى بين حاجبيك، والله كنت سأقبلك وسأترك لك الحرية بعدها تفعل ما تشاء، أن يحمر وجهك خجلًا لأشعر أنني عاهرة بالمقارنة بك، أن تنتفض وتتلفت حولك خشية تعليقات الناس، أو حتى أن تتركني فورًا لتشتري ساندوتش بانيه وسط بالجبنة مثلا!

لكن كعادة كل ما يحدث لخططي، لابد ألا تكتمل؛ اكتفينا معًا بالبانيه بالجبنة، وصرت أنا التي تقف يوميًا أمام المرآة لتردد امرأة شاحبة أمامي أنها "غبية"، لا أعرف شيئًا عنك، وأقدم للجميع بشكل دوري الجبن المملح قليل الماء كلما سألوني طعامًا، أو أبدى أي منهم جوعًا ضاريًا.