Friday, August 08, 2008

اغماءة

كنت في سقوطي لا أترك لجسدي حرية الانفلات مني واختيار مساحة الفضاء التي يريد أن يحتلها بسقوطه. أتماسك حتى النهاية في تشبث سخيف بمشهد القوة، وحين أقارب الأرض كنت أبحث عني فألملمني بسرعة ثم أبعثرني من جديد فوق أقرب كرسي خشبي يدّعي الصلابة مثلي.

هذه المرة لم تكن بجواري حين استسلمت لقانون الجاذبية. أنت في مكان ما بعيد تحادث قوماً لا أعرفهم بلغة لا أعرفها بينما جسدي أنا هنا يبحث عمن يستطيع أن يفهم لغته و ينتشله بدلا من تلك الأيادي التي تتلقفني. حقيقة واحدة أدركتها رغم غياب وعيي.. أنت هناك، أنت لست معي، أنا هنا وحدي.. وحدي تماماً. حقيقة أدركتها قبل حتى أن أغيب.. أنت هناك.. أنا هنا. أنت و أنا صرنا اثنين.. رغم كل شيء.

لم أستطع أن أقاوم هذه المرة، لم أدرك حتى أن عليّ المقاومة. تركت كل شيء، كل من حولي وكل ما كان بيدي واستسلمت. تركت كل جسدي ليتصرف بحريته. تركته يسقط رغم كل شيء ، حتى الفعل "تركته" لا ينطبق عليه، هو ذاته قد ترك نفسه للأرض. لا أشعر ببرودة البلاط و لا قوة الإضاءة و لا أصواتهم حولي و لا حتى المياه التي كانت تغرقني كنبتة يستميت أصحابها لاحياءها رغم أنهم تركوها أياماً عديدة دون قطرة واحدة.

لم أكن أعرف أن الحرية رائعة إلى هذا الحد. رائعة إلى درجة أني سأنزعج جداً لو عدت للوعي ثانيةً. كأنني بلا أطراف، بلا جسد، و الأهم.. بلا أفكار. الآن أرى كل شيء، لكن لماذا لا أرى نفسي في الفيلم ذاته؟ قليلون هم من يستطيعون رؤية شريط حياتهم أمامهم و هم أحياء.. على الأقل كنت أوفر حظاً من كثيرين.

رغم كراهيتي للظلام دائماً - ليس عن خوف طفولي وإنما عن رعب قديم من فكرة فقدان الاتجاهات - أتمنى أن يدوم ذلك الظلام الذي غرقت فيه. صدقني لست خائفة، ربما للمرة الأولى لا يعتريني أي خوف.. أنا فقط... أنا... لا أدري، يمكنك أن تسأل طفلاً لم يتجاوز بضعة شهور عن إحساسه و هو نائم لا يشعر بشيء. راحة غريبة، أكاد أقسم أني لم أعرف مثلها من قبل. ربما لهذا السبب أكره العقاقير التي تبقيني واعية.. لم لا وهي تسلب مني حريتي الأخيرة في الاستسلام؟!

لماذا يجبرونني بهذه القوة على العودة؟ أنا لم أضف لأي منهم شيئاً يذكر فلماذا يهتمون بوجودي بينهم بهذه الطريقة الفجة؟ دسوا في فمي شيئاً لا أعرفه، لا أقوى حتى على السؤال عما ألقموني إياه، ثم من أين أتوا بكل هذه العيون التي تحدق فيّ بصفاقة؟

"إنتي كويسة دلوقتي؟"

سؤال سمعته من رجل جواري بينما اكتفى الآخرون بالتحديق المقيت. أهمهم بأي شيء لا أفهمه فينصرف كل إلى حاله. أتسائل للمرة الألف من أين أتت كل هذه المياه على وجهي وكيف لم أشعر بها؟ وجنتاي مبللتان بدموعي التي لم أكن أعرف أني أمتلك كل هذا القدر منها، للوهلة الأولى لا أخجل من خروجها في حضرة كل هؤلاء الغرباء. أبحث عنك بعيني اللتين لم أستعدهما بالكامل بعد، هممم.. لازلت غائباً.

لم يتبق الآن سوى محاولة التماسك. الخطوات بسيطة، هذه اليد على هذا الحائط.. و هكذا، نعم، خطوة بالقدم اليمنى.. اليسرى.. اليمنى.. اليسرى...

ملكة بدر

8/8/2008

4 comments:

اخر said...

الكلام هربان مني ...!

مصطفى السيد سمير said...

ملكة
النص جميل وصادق قوي ويتحس لكن فنيا محتاج حبة شغل
مش في قوة نصوص تانية ليكي كانت بتخطفني لآخر حرف منها النص اللي فات

Ibraheem Seyam said...

حلوه الحاله دي، أنا ما اغماش علي قبل كده، لكن بدات احب اجرب
احتراماتي

ملكة said...

آخر

المهم زيارتك بعد غيبة :)
منور


مصطفى

I agree!
ان شاء الله النصوص الجاية تكون أحسن :)


ابراهيم

لأ مش حلوة خالص، ربنا مايوريهالك
منور المدونة :)