Sunday, December 18, 2011

ليس اعتراضًا يارب.. ليس اعتراضًا


أنا بكيت ككل النساء في الجامع الازهر يوم جنازة الشهيد الشيخ عماد عفت، انتحبت لو صح القول وأنا أصرخ بالهتافات ضد المشير والمجلس العسكري والخونة الذين يقتلوننا بدم بارد في وضح النهار. كل النساء من حولي كن يرتدين الأسود وعيونهن وأنوفهن من شدة البكاء متورمة ومحتقنة، لكنني لم أستطع أن أحضن تلك السيدة التي كانت خلفي ونحن جالسين نساء ورجال بانتظار انتهاء الوصلة الخامسة أو السادسة من القرآن الذي حاول الشيوخ إسكاتنا به، غير عالمين أننا نحتد من أجله، من أجل حرمة النفس التي تحدث عنها الله في كتابه، الذي يساوي بين الناس جميعًا في حقهم في الحياة، ولم يفرق بين هؤلاء وأولئك، وما إذا كانوا "موالين للنظام" أو ضده.

أنا بكيت وانتحبت وصرخت بالهتاف وكلي غضب لم أعهده، لم أكن أبكي على الشيخ عماد، الحق أنه لم يأتِ ببالي إلا عندما أدركت أن السيدة التي لم أستطع أن أحضنها ورغم ذلك أبكتني نهنهاتها كانت زوجته. كنت أبكي الدم المهدور في كل الأرض، استباحة آدمية الإنسان الذي اعتبره الله خليفته متحديًا الملائكة، بكيت لأني عاجزة ليس في يدي حيلة، لأننا متخاذلون حتى وإن أفلتنا من الموت بأعجوبة في أي يوم من الأيام التي مازال يتم استهدافنا فيها حتى الآن.

أنا بكيت لأن أغلى ما على الأرض تشربه الرمال وتنساه، ولا يذكره الأحياء إلا باللعن أو الطعن أو اللامبالاة. بكيت لأني أدركت أن الله لم يخلقنا لهذا، وبكيت أكثر عندما فشل عقلي الصغير في إيجاد منطق لخلق كائن يتعذب بخلق آخر مثله. بكيت لأن الجامع الأزهر الذي دخلته لأول مرة، رغم كوني من سكان المنطقة لأكثر من 10 سنوات، كان مهيبًا، ويبتلع كل من فيه لكنه لا يواسي المرأة الثكلى التي تحتسب زوجها شهيدًا بين نهنهة وأخرى، لا يهدي سوى الطلاب الأجانب المبعوثين، أما أصحابه فينتظرهم الخطب العصماء الموالية للنظام داخله، وشاحنات الاعتقال أمامه. بكيت مسجدًا كان نورًا للحق، والآن يقف على منابره من ينكرون الحق وإن كان أوضح من شمس الله.

لم أر جثمان الشيخ، وكنت متأكدة أننا بانتظار رؤية نعشه للانفجار في بكاء أعلى و"حسبي الله ونعم الوكيل" خارجة من نياط القلوب تستصرخ هؤلاء الذين ينادون "بحرمة الموت" و"حرمة المسجد"، بينما يتجاهلون "حرمة دماء المسلم" ولو كانت بيد مسلم.. يا الله، ألهذا جعلت من علي وعثمان والحسين شهداء؟ ألهذا قبضت روح رسولك وهو من المعصومين؟ ألكي تكون مصيبتنا الآن أهون من كل ذلك؟!

أنا بكيت لأني شعرت بالقهر، العالم بأكمله يخذل روح إنسان استغاثت به. بكيت لأني أقل شرفًا من الذين ماتوا، لأني أنسى أحيانًا كما ينسى الناس وأستمر في حياتي كأن أحدًا لم يمت.

بكيت لأني سئمت عدم فهم مغزى كل ذلك، لأن الحكمة الإلهية في قبض أرواح شريفة رفضت الظلم وقررت أن تجاهر بكلمة الحق أمام سلاطين جائرة متجبرة، وترك ملايين الأرواح التي ماتت- وهي حية- وعفنت وينز قيحها علينا يوميًا، ليست واضحة لي.

أنا بكيت لأني رأيت المسيحيين يقفون معنا داخل ساحة المسجد ويؤازرون الناس، ويلتزمون الصمت وقت الصلاة، ويهتفون معنا بعدها، فيما المدعون بأنهم مسلمون ويريدون "تطبيق شرع الله" بطريقتهم ويعيثون فسادًا في الأرض يهتمون بالدنيا الزائلة ولا يهب الواحد منهم لنصرة عرض امرأة، حتى وإن كانت مسلمة، أما البقية منهم تتهمنا بالكفر!

أنا بكيت لأني كنت سببًا في كل تلك المأساة، عندما ظننت أن مشاركتي في انتخابات أعلم تمامًا الآن أنها فاسدة سوف تريح ضميري، ندمت بعد التصويت بيوم مباشرة، والآن أتحرك على جثث الشهداء، وغيري يقولون إن تلك الانتخابات المخضبة بالدماء هي الحل للتخلص من الدماء!

يا الله، لا أكفر بك أو برسلك أو بحكمتك التي استعصت على عقلي الصغير، فقط ألهمني الصبر والعزاء والبصيرة والقدرة على مواصلة الجهاد في الحق. يا الله، لا تمدهم في طغيانهم يعمهون، بل انزل بهم عذابك الشديد في أقرب وقت علّهم يرحمون الأرض من فسادهم لنستريح.


1 comment:

donkejota said...

هوني عليكِ يا صديقتي
نشعر جميعا بما تشعرين به ولكننا بمن فيهم أنتِ لسنا متخاذلين .. القهر لن يفيدنا شيئا ، كل ما نريده هو الصبر ، ليس كله بل بعضه .. النصر قريب وتلوح بشائره في ابتسامة الشهيد الشيخ عماد ، وفي دعوات أم الشهيد علاء على المجلس العسكري
وفي حرقهم المصحف ، فالله قادر على أن ينتصر لكتابه الذي أحرقوه ، وأن ينتصر لنا ، فنحن على حق مهما قال المتراخون المتخاذلون
تذكري سير الأنبياء لسنا مثلهم ولكننا نحمل شيئا قليلا جدا منهم
نحن القابضون على الجمر في زمن استراح فيه الناس للدعة وعيش العبيد
والأهم أننا عرفنا أعداءنا .. الإسلاميون بصمتهم وتخاذلهم متواطئون ، ولن يهنئوا بالمجلس ولا بأي شيء .. ستتغير الأحداث وتأخذ مجرى جديدا ، يكون لنا فيه النصر الذي أراه قريبا

آسف ان أطلت ولكن يصعب علي احساسك بالقهر والألم .. اصبري واحتسبي فالأرض لنا والشارع لنا والفجر نصنعه بأيدينا