Saturday, May 07, 2011

خطط بديلة


في عز البرد
أغسل وجهي
بماء مثلج،
أغرق معصميّ
وأربت على القلب الساخن،
أغطي بالمنشفة كل الوجه،
وللحظة..
أود ألا أخرج منها أبدًا

Monday, April 25, 2011

لورا




الكوابيس المقيمة تهاجم فجأة وبضراوة؛ على المقاهي، الأرصفة، مقاعد المترو، و تخرج من شروخ الجدران التي تستند عليها. وقد تتجسد المأساة ببساطة في اشتباك حرف النون بالوردة المرسومة على تورتة خيالية، تحضّرها امرأة تعيش بين ميتتين لا تختلفان كثيرًا عن الواقع.

الكوابيس السابقة، تهدم الفكرة الأساسية للمادة، فهي لا تفنى، لكنها تستحدث من العدم، وكلما ظننت أنها "غارت" دون رجعة، تفاجئك كمهرج سخيف ينبثق من علبة مهجورة، أو شارع مررت فيه مرة، أغنية ما تحمل معاني ضحلة، رائحة أو "لازمة كلام"... تذكرك أن "ثباتك الانفعالي" وهم، وتثبت أن المهرجين ليسوا مضحكين على الإطلاق، بل مثيرون للرعب.

Photo: Laura Brown (starred by: Julianne Moore) in The Hours

Wednesday, April 20, 2011

أحياء عند ربهم يرزقون


و قد دل على أن الشرطة استعملت القوة المفرطة في مواجھة المتظاھرين ما يلى:-

1- كثرة الوفيات و الإصابات، إذ بلغ عدد القتلى حوالي 840 قتيلا و تعدت الإصابات عدة آلاف من المتظاھرين، وذلك جراء إطلاق الأعيرة النارية و القنابل المسيلة للدموع التي كانت تستعملھا
الشرطة. 

2- أن أكثر الإصابات القاتلة جاءت في الرأس و الصدر بما يدل أن بعضھا تم بالتصويب و بالقنص، فإن لم تقتل الضحايا فقد شوھت الوجه و أتلفت العيون، فقد كشفت الزيارات و أقوال الشھود و الأطباء- خاصة في مستشفى قصر العيني- أن المستشفيات قد استقبلت عددا ھائلا من إصابات العيون خاصة في يومي 28 يناير، 2 فبراير 2011 بلغ المئات و أن حالات كثيرة فقدت بصرھا. 

3- أصابت الطلقات النارية و الخرطوش التي أطلقتھا الشرطة أشخاصا كانوا يتابعون الأحداث من شرفات و نوافذ منازلھم المواجھة أقسام الشرطة. و غالبا كان ذلك بسبب إطلاق النار عشوائيا أو لمنعھم من تصوير ما يحدث من اعتداءات على الأشخاص.
 
4- طالت الأعيرة النارية أطفالا و أشخاصا تواجدوا مصادفة في مكان الأحداث.

5- سحقت سيارات الشرطة المصفحة عمدا بعض المتظاھرين.



Monday, April 18, 2011

في فضل الكابوس و جفاء الحبيب


وكان من أثره عندما اشتد الجفاء بينهما، وتعلق قلبه بغيرها، أن تباعدت المسافة بين جسديهما وروحيهما، كبعدها بين استحالة عودة الحب إلى قلبه وعودة البكارة إلى زوجه. وفي إحدى الليالي الليلاء، استيقظ مفزوعا من نومه الغطيط، على ضربة فوق رأسه منها.

كان استعداده أن يقتلها، لولا أنها ظلت تستجدي سماحه، وفي عينيها بين النوم واليقظة المذعورة، لأنها كانت تحلم بكابوس ولم تشعر إلا بيدها فوق رأسه. لم يأخذها في حضنه، ولم يطفئ نار الرعب بكوب من الماء، وإنما ظل يبرطم ويسب الدين والعيشة، ثم التف بالغطاء وخرج من المكان، تاركًا إياها عارية تنتفض. وأخرج قلبه قبل أن يرحل، فرماه في وجهها النعسان، وأقسم ألا يعاود المخبولة مرة ثانية.

أما هي، فتمثلت بعدها نبع ملآن من التوتر، تجفل كل لحظة بين اليقظة والمنام، تلف الغطاء حولها جيدا، وتردد أذكارها اليومية "يا أيها العقل التعس، إن جاءك رعب كابوسي فيه يقتلك أحدهم، فامتثل بهدوء، و"اذكر ربك إذا نسيت، وقل عسى أن يهدين ربي"، ولا تتفل عن يمينك أو يسارك، ولا تستعذ من شيطان، بل منك".

وفي الليالي جدباء النوم، يستحيل الكابوس شمسا حارقة، ويقض المضاجع ذكرى كل ما كان؛ من أول القلوب التي قلّبها الله بين يديه فأحبت، مرورا بالخبال المؤقت وزرقة الوجنات، ثم انتهاء بالقلوب التي قلبها الله بين يديه مرة أخرى فبغضت. ومازال قلب المرأة ينتفض ويلهج "يارب.. سلّم"، وتجفل ساقاها بين الحين والآخر، ثم تتعانق على فراغ.




Painting by: Nigel Van Wieck

Sunday, April 10, 2011

دوران متواصل بعيدًا عن المركز





ولم تكن تحتمي بحقيبتها من المتلصصين على الجسد أو الأشباح الوهمية التي تحاول اختراقها طوال الوقت، وإنما من نفسها، خشية أن تندمج مع العالم أكثر من اللازم، فتعود خائبة الرجاء من بعد لا مبالاة. ولم تكن الحقيبة نفسها تحوي شيئا يمكن أن يحمي، إذ امتلأت بالخيبات المتتالية وندوب الجسد والروح التي لملمتها من السنين، بينما كانت السنين تكرارا، يحب أن ينسى نفسه أحيانا، فيظن أن هذه المرة "الأمر مختلف".

العالم دائما لا يتغير. لا تعرف إلا الضالين، الوحيدين في الأرض أو الذين يخططون للهروب انتحارا أو بالرحيل إلى بلاد الله الواسعة.. بلاد الله واسعة لأنها ليست منها، وحين تكون، ستبحث عن بلاد أخرى لله تضيقها. أتباعها هم الذين يخسرون نقاط مباراتهم مع الحياة، الحب، والتجربة كل لحظة، وحين يأتون إليها يكونون متعبين جدا للمحاولة من جديد. أتباعها هم الذين لا حيلة لهم في أنفسهم، المفقودين الذين فشلوا في معرفة أين هم منذ زمن، الذين فقدوا أرواحهم عند محاولة التبشير ببعض منها، ولم يهتموا كفاية لاستعادتها من المؤمنين.

ومن واجباتها المستحقة للأتباع خلق ديكور جديد. الشوارع التي عرفوها وحفظوها تنوي أن ترتبها جوار أخرى في الطرف الآخر من المدينة، ربما هكذا يقل الوحيدين، أو يأنسون بغيرهم الذين يشبهونهم كثيرا، فقط لو عرفوا. لماذا لا تمنحهم المعرفة؟ النار المقدسة دون عذاب ساذج هذه المرة.. وربما تكون الحقيبة مجدية، إذ يبدو أن الحياة صارت تولد فقط من رحم الخيبة.







Monday, April 04, 2011

لعنات إبريل




أضطر إلى اختراق المياه التي أغرقت الشوارع بقدميّ، يقتحم تيار المياه الموحل الحذاء ويغرق الشراب القطني. ألعن كل شيء وأدبدب بقدمي على الأرض في محاولة يائسة لتفريغ الأقدام من الماء وتفريغ الغضب من القلب. كل الشوارع خالية، ما من أحد يستعد لتقديم يد المساعدة، ولا حتى كلمة مواساة واحدة. اللعنات تتوالى من فمي بعد أن أضطر لتكرار اختراق الوحل أكثر من مرة بسبب شوارع مصر العظيمة.


أعبر الشارع الرئيسي وأنا أحسب المعادلة سريعا في رأسي، لا يهم البنطلون ولا الكوتشي ولا الطين، المهم أن نجري سريعا من أمام السيارات التي لا ترى جيدا من قطرات الماء المطينة على زجاجها، ولا تردعها إشارة مرور واحدة أو يوقفها عسكري مرور في هذا الوقت اللعين.

على الرصيف أكتشف المأساة، لكي أستطيع الركوب يجب أن أعود من خلال المياه الجارية لمسافة مترين وأقف في نصف الطريق مثلا، إن وجدت شيئا من الأساس. أقرر المضي عكس اتجاه المياه إلى الأمام. الحظ الرائع يلاحقني، سائق مكروباص لطيف يأتي بكل سرعته ليغرقني بالمياه إلى رأسي، نعم.. هي نفس المياه الموحلة التي مررت فيها منذ قليل. يلعب الحظ لعبته دائما معي، أنجو مرة من المطر، فيغرقني سائق أعمى القلب والنظر بالمياه والطين، أو أنجح في العبور دون الخوض في مياه الأسفلت، فتقرر السماء أن تغرقني بكرم لا حدود له.

أستمر في الحسابات المعقدة في رأسي، 25 جنيه للتاكسي، وفي جيبي 35.. وأحتاج فورا لشريط "كونجستال"، يطمئن عقلي قليلا. تاكسي وراء الآخر يرفض، أبدأ اللعنات بصوت أعلى قليلا عن "البيه السواق" و "امال عايزين يروحوا فين بروح أمهم؟" إلى أن يوافق سائق بعدها بنصف ساعة، لكنه يأنف من الوقوف بمحاذاة الرصيف الذي أقف عليه، فأضطر للجري ورائه والخوض في الوحل والمياه للمرة العاشرة.

"مصر تغرق في شبر مياه"، أهز رأسي وأوافق السائق العجوز ذي الصوت الأجش، وأتمم على كلامه "لو بس يخلوا عندهم شوية ضمير في سفلتة الشوارع". يستمر اللغو وأبدأ في الهمهمة وهز الرأس بشكل متكرر، دون أن أعي شيئا مما يقوله، لكنني أميز أشياء لطيفة مثل "مظاهرات إيه؟ دي قلة أدب"، "الدنيا متغرقة وهما مش فارق معاهم برضو ملقحين هناك".

يتزامن وضعي للسماعات في أذني مع دخولنا منطقة وسط البلد. خالية تماما، الحفر الطافحة بالماء تعكس الأضواء المصفرة، وأفكر "طب والله العظيم دي حاجة بديعة". أحاول ألا أركز كثيرا مع قدمي التي فقدت الإحساس بها تقريبا بسبب الماء والبرد. الست فيروز تقنعني مرارا وتكرارا "إيه فيه أمل"، والحاج السائق مازال يرطن بنفس الحماس، إلا إنني اكتشفت أنه يتحدث عن جمال عبد الناصر الآن.

في البيت، أكتشف أني نسيت كومة غسيل محترمة على الحبل منذ أمس، و نسيت شريط "الكونجستال"، كما أني دخلت بالفعل على السجادة بالكوتشي المطين. ولم يكن أمامي شيئا آخر أفعله سوى أن أكيل لفيروز نفسها اللعنات وقتها.. قال أمل قال!


Thursday, March 31, 2011

لولا أنه رحل أولاً




لا شيء
يجمع غريبين،

طعامهما غُصة،
سوى برودة المكيف،
وجودة السَلطة،
و وحدة..
موزعة بالتساوي
بين طاولتين،
تواجه كل منهما
جدارًا منفردًا


Painting by: Edward Hopper

Tuesday, March 29, 2011

من ضمن حاجات كتير


الابتذال
فيونكة فوشيا
فوق هدية
لواحدة بطلت تحبها
ولسة بتمثلوا إنكم أصحاب

Thursday, March 24, 2011

عندما كتب عبد المنعم رمضان عن أنسي الحاج


كلام "غامض" إلى أنسي الحاج
عبد المنعم رمضان



هذا الذي أكتبه الآن، سيكون غامضاً، غموض أنسي الحاج، وغموضي، وغموضنا جميعاً. الشاعر هو أول شخص يحاول أن يتحرر من تمثيل دوره. وتمثيل الدور يعني أن تعمل دائماً بحسب الأصول المرعية. وفي كل جوانب حياتنا نقدر ألا نشذ، ولكن في الشعر، وربما في الحب، إذا لم تعرف متعة الخروج على المألوف لن تعرفهما أبداً، بخاصة في الشعر. إنه المثل الأعلى على سقوط الأصول، فكل عمل آخر يستوجب دوراً. إتقان هذا العمل يعادل أن تمثل هذا الدور بأقصى قدرة، بأقصى طاقة. في الشعر سوف يسقط الشاعر في بئره الجافّة إذا فكر بالدور الذي يجب أن يمثله، ولو بإتقان، وعندما يمثل الشاعر دوراً، تكون القصائد أمامه على الطاولة. يكون صياداً فقط، بدل أن يكون صياداً وفريسة في آن واحد. ولأنه تعوَّد، وكذلك تعوَّد الناس أنها، أي القصائد، يجب أن تختلط بجسده، يجب أن يعجنها ببخار أنفاسه وعرق جسمه، وغالباً، ونتيجة لذلك، تكون القصائد زنخة، لا عقلانية. وسخة لكن أنوف الناس لا تشم رائحة القصائد، ولذا يقبلون عليها، كأنها زهرة يجب أن تقتطف، ثم يجب أن يُحتفظ بها. تبدو القصيدة إذن، وكأنها انغماس كامل في الحياة، عندما لا يوجد عدو ظاهر لها، عدو تنشغل به، عدو اسمه الموت.

والشاعر الذي يشبه الشاعر، الشاعر الذي يشبه أنسي الحاج، هو ذلك الشخص الذي يمكن أن نسمعه يحدث نفسه: أنا الرجل المملوء بالقصائد، أنا الرجل الذي سوف تخرج القصائد كلها من جسدي، أريد أن أمشي، أريد أن أفرغ جسدي مما يملأه، ربما ساعتها أستطيع أن أطير. ولكن الغريب أن القصائد عندما تخرج، تخرج ناقصة، تاركة ذيولها التي تنمو مجدداً. حتى الآن لم أستطع أن أستمتع بجسد فارغ. حتى الآن لم أستطع أن أطير. ولما يصمت أنسي، تطاردنا الأمثال والأقوال، أنسي هو الأنقى بيننا، هذا ما ورد في رسالة أدونيس إلى خالدة. كان أنسي في أثناء ذلك هو الشاعر الإنسان الهدام بامتياز، الراديكالي بامتياز، السريالي بامتياز أيضاً. بدأ من كتابه «لن» باحثاً عن بئره العميقة، وعن حريته وعن الوجازة، وعن التوهج، وعن المجانية. بدأ أيضاً باحثاً عن الكثافة، كثافة الصياد والفريسة، في ثقافة تحتفل دائماً، بالصياد فقط، ثقافة ذكورها ذكور، وإناثها ذكور. انظر إلى آخر نجومها الشعريين، استمر أنسي حتى ثمل وبلغ بسكرته «الرأس المقطوع» كتابه الثاني، وبعدها بلغ ذروته في الماضي، ماضيه هو، أو «ماضي الأيام الآتية». رأى أنسي ضرورة أن يخون، ونظر إلى التقليد الشعري المعرِّي، وخانه، باعتبار أن هذه الخيانة عمل طبيعي، فعلاقة شاعر أيامنا بأسلافه الجاهليين الأمويين العباسيين النهضويين هي علاقة إخلاص لا تصح إلا إذا انقلبت وأصبحت علاقة خيانة.

رأى أنسي أن الشعراء حوله، إما سدنة في معبد اللغة، وإما مستهلكون لها كأداة توصيل واتصال، ولم يشأ أن يصير سادناً - فريسة، كما لم يشأ أن يعيش مستهلكاً - صياداً، وفكر في الخروج عن اللغة، ومن اللغة، وعلى اللغة، فكر في الدخول إليها، فكر في اختراع لغة داخل لغته، وليس اختراع أبجدية خارج أبجديته، وليس تدمير لغة، محض اختراع، اللا مألوف في المألوف، أو مألوف اللا مألوف، تجانس اللا تجانس. وفي محاولته تلك خرج على القوالب، وفرح، أطاح الزوائد وفرح، تعامل مع الكلمة المبتذلة، وسمى الأشياء بأسمائها، واخترق المحرم، وفكر أن يثأثئ ويفأفئ، فكر أن يهذي، وأعطى عقله الصاحي مهلة، وجرب إمكانات لا وعيه، إمكانات الغموض فيه. كان ماؤه يخرج من بئره العميقة، وليس من بئر العالم المحيط به، وظل هكذا يمشي من سرطان نفسه إلى سرطان اللغة. كان يمشي ويستأصل، كان يمشي على حبل من النزق، على حبل من الرغبة في القطيعة، وفي دواوينه الثلاثة، لم ينس قط قولة ماكس جاكوب، كي تكون شاعراً حديثاً، يجب أن تكون شاعراً كبيراً جداً، وكبيراً جداً تعني أن تصل بالصياد والفريسة معاً إلى آخر آفاقهما. ولم ينس أن كتابة الشعر فعل مجاني، دون فائدة، دون نفع، دون دون، سوى محاولة التغلب على الاختناق، وظل يكتب الشعر كأنه مغلوب على أمره، ولم يهتم - في الظاهر - بما نطلق عليه البناء والمعمار، لم يهتم - في الظاهر - بالصبغة، كان اهتمامه الأكبر بقبول الخسارة. أدرك أنسي طوال دواوينه الثلاثة أن هندسة القصيدة فعل معاد. وكان جنون أنسي يقوم على أساس من التعاطف القليل مع العالم الخارجي، إذا شئت قل من عدم التعاطف.

لكن أنسي الشاب الذي كان بلا أسلاف عرب، والذي أراد أن يكون أخلافه خصومه، كانت راديكاليته سبباً في عزلته، فالثقافة العربية تحب نصف الراديكالي، وتهيئ له المسرح، وتوزع صورته كبيان افتتاحي. فعلت هذا مع السياب وجعلته أميراً على قصيدة التفعيلة في زمن ريادته. وفعلت هذا مع محمود درويش وجعلته أميراً تالياً في الزمن التالي. وأيضاً فعلت هذا مع الماغوط، وجعلته الأمير على قصيدة النثر. الماغوط الذي لم يصطدم اصطدام أنسي مع القول الشعري، والذي لم يقم مثله بتحريف التجريب وتجريفه، وتحويله إلى تخريب حيوي مقدس أو مدنس، الماغوط الذي امتلأت الأرض العربية بأطفاله امتلأت بسلالته، الأصح بسلالاته، أغلبها مشوه. الماغوط الذي تناسب غضبه مع حجم الغضب الذي تقبله ثقافته، فصار غضبه بمقاس التابوت الذي أعدته هذه الثقافة لأعلامها. التابوت الذي يصعد كعنوان لحياة الماغوط الطيب. بعد ماضي الأيام الآتية، أحس أنسي بالتعب، فكان أصغر الشعراء الشيوخ، وكتب «ماذا صنعت بالذهب ماذا فعلت بالوردة»، وكتب «الرسولة بشعرها الطويل حتى الينابيع»، وكتب «الوليمة»، و «الوليمة»، و «الوليمة»، وفيها جميعاً تأكدت سنوات عمره بخطابه الرسولي العارف، والمنتظر للمخلص، تأكدت سنوات عمره باعتماد النفس الغنائي، لم يكن موجوداً من قبل، باعتماد التكرارات لصناعة هذا النفس، لم تكن موجودة من قبل بالبحث عن المشترك العام، عن الوعاء العام، سواء في المسيح، أو في الشعور بالخيبة، أو في الحب العاطل من الأنا العميقة، أو في الترنيم. أصبحت الأنا آسيانة أكثر. هل كان أنسي يائساً، هل شعر من جراء فرادته وفرديته بالوحشة، هل أراد أن يمشي في قطيع، هل وجد أن القطيع يتميز أكثر بعباراته المكتملة الواضحة، بكثرة تشبيهاته، وقلة هذيانه، بأيروسيته الخجول، حتى إذا تبجح، بانكفائه على بئر يجري ماؤها في جسد امرأة، خرج أنسي إلى العالم الخارجي، بعده لم تكن تصلح له، فظل جميلاً، ذلك الجمال المحتمل المتوقع، بعد أن كان يفاجأ بجمال وحشي، ومع ذلك فهو جمال على احتماله وتوقعه ممسوس يفوق جمالهم. شعر أنسي الأول، كان يحتاج إلى نخبة واسعة تقوم بحمايته، ولم توجد ولن توجد.

كانت النخبة مثل غيمة تزيحها دائماً الشمس الوقحة، شمس الجماعة، الشمس الوقحة بزعمها أنها صانعة النور. الأدهى أنها، أي النخبة، تضاءلت وانكمشت مساحتها فوق أرضنا، وفوق كل أرض رفعوا فوقها رايات التنوير. والتنوير العالمثالثي هو استبداد معكوس. انهار أنسي نفسه، انشغل بالدفاع، بمقاومة أن يصبح شيخاً، أنسي الذي ولد بعد حرب أهلية، وعاش حربه المبكرة مع سنوات عمره في ظل حرب أهلية ثانية. وفي ما بين الحربين ظهرت مغامرة أنسي كرحلة أولها الذهاب نحو الذات، وآخرها محاولة الخروج من الذات، لولا الصمغ العالق، أولها السريالية، وآخرها الرسولية، المبشرة بسقوط الصمغ. كان مثل حيوان أسطوري مخيف، يلتهم داخله وداخله لا ينفد، ولما تعب حاول أن يكنس براز العالم الذي يحيطه. ومع ذلك لا يمكن أن تزعم وأنت مطمئن تماماً، أن كتابة أنسي كانت في غياب أية رقابة يمارسها العقل، لا يمكن أن تزعم تماماً، أنها كانت خارج كل اهتمام جمالي، الأرجح أنها خارج كل اهتمام أخلاقي بدرجة واسعة، هذا هو ما جعل شعر أنسي يدخل السريالية من نافذة ويخرج عليها من نافذة أخرى. آه، يقول تروتسكي في ما يخص الفن، نحن كلنا فوضويون، كلنا فوضويون، من منا يرث كراهية ستالين، ولا يرث محبة تروتسكي. لعله أنسي.

خطوات الزمن الفارقة بين أندريه بروتون وأنسي استطاعت أن تجعل صورة تروتسكي تشحب بعض الشيء. استطاعت أن تصنعها تحت شجرة للبكاء والنوم، ولكنها لم تستطع أن تضع الشعر في متناول الجميع بدلاً من احتكار النخبة، وكذا لم تستطع أن تضع الشعر في متناول النخبة بدلاً من احتكار الجميع. هل ستحاول مثلي أن تتخيل صفوف البوتيكات أو السوبر ماركات في شارع الحمرا، أن تتخيل دار النهار أو المكتبة العصرية، أن تتخيل زوجتك أو أباك، أن تتخيل لبنان كله. لبنان المركنتيلي المشوه أحياناً، الناصع أحياناً. إذا حاولت مثلي، ستحب أن تقرأ أنسي، ستحب أن تكتب عنه، ستحب أن تتذكر أنه لما بدأ أنسي بأبحاث طويلة عن الموسيقى، كتبها وهو في البكالوريا، ونشرها في مجلة «الأديب» لصاحبها ألبير أديب. ولما كتب قصصاً نشرها في مجلة «الحكمة» التي كان يرأس تحريرها فؤاد كنعان صاحب الكتب الفارقة: «قرف»، «كأن لم يكن»، «على أنهار بابل»، «أولاً وآخراً وبين بين»، «مديرية كان وأخواتها»، والذي في مصر لا يعرفه أخيارنا، ولم يسمع باسمه أشرارنا. مصر ذات التبلات التي ذبلت أو تكاد تذبل وهي مغلقة على ذاتها.

تنبأ السيد فؤاد حداد، وهو غير الشاعر فؤاد حداد، تنبأ للكاتب العصبي أنسي الحاج بخير سيجنيه ذات يوم. كان هذيان أنسي ملجوماً وغير ملجوم، وكانت قصيدته عند البعض تشبه الحكاية، تشبه نشيد الإنشاد، هو يسميه نشيد الأناشيد، كانت قصيدته لا تتساهل ولا تقدم تنازلات أمام رغبات القراء، تتعمد اللامبالاة، وتحرث القلق والعبث، وتفيض بالحيل، حتى إن الخلاص كان حيلة. يرصد السريالي الآخر، المجنون الآخر، الألثغ كطفل، البريء كطفل. يرصد شوقي أبو شقرا زميله الذي شاركه مرة في كتابة قصائد «أين كنت يا سيدي في الحرب». يرصد شوقي لغة «لن» المليئة بالمرض والهذيان، والفكاهة القاحلة، واللذائذ المبعثرة والذكريات الجريئة. قصيدة أنسي تعلمت من نفسها ألا تعرف الميوعة. الميوعة التي أخطر آفات قصيدة النثر. فالذات عند أنسي ليست مائعة، على رغم أنها بئر بلا قرار، والعالم ليس مائعاً على رغم غموضه. رفض قصيدة أنسي للميوعة يتعزز برفض آخر لبدوية أو رعوية ظهرت عند آخرين، ورفض ثالث لتنسك صوفي مهما كان الشعور بالإثم حارقاً وصرفاً. بدأ أنسى في أكل الخبز الجاف، مثل أكله لثمرة اليقين المطلق، لثمرة الفرح. وكان وهو يقضم يحس وكأنه يصل إلى نبضة الكائن. نبضة الكائن في العضلة ذاتها، في الطريق ذاتها، طريق المخلص، الذي يسمح للإنسان فقط أن يحيي مأساة العالم، وسيسمح له أيضاً بإمكان الحياة وخلق الشعر، وكأن أنسي، وهو يخرج من نفسه ويدخل العالم، يدخل كواقعي، ولكن كواقعي من قماشة الواقعية الصوفية، كأنه يقدم فكراً - واقعاً في عجينته الأولى، في حالته الخام.

هل استطاع شعر أنسي في أطواره المختلفة أن يتعرف المرأة ذاتها، أم وضعها داخل إطاره، تحت آلته، بحيث تشبه كل شيء، تشمل كل شيء، تحيط بكل شيء، وتكون بؤرة كل شيء، وما لا تستطيعه أبداً هو أن تكون ذاتها؟ محيت المرأة ليتأكد الحب، خسارة فادحة، وربح فادح. أراد أن يوزع جسم المرأة على العالم، فلما لم يستطع ذلك، رغب في أن يفجره لتتكون من الشظايا، تلك المرأة الكون، تلك المرأة العالم، مع العلم أن مرجعية أنسي تستند إلى قوى هدم العالم، إلى اللاوعي الواعي بشعوذته وأحلامه، ولا منطقيته، وعلى النقيض من رفيقه الماغوط، الذي حملت عبارته كل الجينات الدالة على أصل، على ثقافة أنتجها هذا الأصل، على هوية، كان أنسي ينتصر بغياب مرجعيته على سلطة الهوية واستبدادها، وكان شعره بالتالي يقترب من حافة الهاوية، يقترب من أن يكون بغير أصل، يقترب من الشعر، من هذا الشعر. تخيلت مرة، وقد أوشك كتابه الأول أن يبلغ من العمر نصف القرن، تخيلت أنني أقابل أنسي وأحاوره، ولكنه أجاب على كل أسئلتي بإجابة واحدة، سألته: كيف ترى حرية البالغين، لماذا تنتشر في كل الأرض جثث قصيدة النثر، لماذا انحنى رأسك وأنت تنظر إلى أيامنا، وأنت تعبرها، وأنت تنظر خلفك، كانت إجابة أنسي الوحيدة هكذا، يزوم ويغمغم ويصمت، يزوم ويغمغم ويصمت.

Thursday, February 03, 2011

مصر.. حرة










الشعب يريد إسقاط النظام

 الشعب يريد إسقاط الرئيس.. ومحاكمته

الشعب يريد


وهذا.. كاف جدا

Sunday, December 19, 2010

اللاطمأنينة


البنت
التي كان قلبها يتفتت
كلما لوث أحدهم الحائط الأبيض بيده
أو خُدشت طاولة الطعام ذات المقاعد الستة،
التي اكتشفت اتساع جسدها بحرية
داخل قميص النوم
أول مرة ترتديه أمامه،
و بكت بحرقة لأن قطعة من زجاج النجفة
تهشمت فوق رأسه
فأخذت تقبله كالدجاج
في منبع الدم الذي انفجر
حتى توقف

صارت تمقت الحوائط البيضاء والنجف الزجاجي،
حولت طاولة السفرة إلى دولاب ملابس أفقي
تحفر عليه حروف اسمها الأولى حين الملل،
وضعت المقاعد الستة مقلوبة فوق بعضها
علها تنجح في ممارسة الحب بدلا منها،
توقفت عن توزيع القبلات بعشوائية على الجرحى،
وكومت كل قمصان النوم
في حقائب بلاستيكية سوداء كبيرة
تستخدم عادة للقمامة

Wednesday, December 08, 2010

العلامات

 Strange but effective

بالتأكيد لم يكن يعرف أنها ستظل أياما تفكر في معنى ما كتبه لها ذات يوم.. غريبة ومؤثرة.. هي لم تكن غريبة، كانت تشعر بعاديتها، كونها نسخة من كل الناس، بالمعنى الحرفي للكلمة، هي تشبه كل البنات، ليست جميلة، ليست مضحكة، ليست أي شيء. كانت عادية ربما أكثر مما ينبغي، للدرجة التي جعلتها تخنق نفسها بقطعة قماش للأبد حتى لا تظل منبوذة من صاحباتها.
كانت الأيام سخيفة بشكل لا يصدق. تنتظر فقط طلته اليومية، تعبيراته التي لم يكن أحد يفهمها غيرها، تفاصيل وجهه التي تعلمت منها كيف تستشف حالة الناس المزاجية دون أن يتفوهوا بكلمة، والأنشطة السرية التي كانت تشاركه إياها، حتى لو كانت مجرد أجزاء من مسرحيات وقصص إنجليزية يطلب منها أن تقرأها وتخبره برأيها فيها.

Distinguished

تلك هي المرة الأولى التي بحثت فيها عن قاموس في المكتبة وحاولت أن تعرف المعنى، كما كانت تلك هي المرة الأولى التي تأكدت فيها أن المعنى لا يكفي غالبا، وأن الإدراك هو الأهم، وهي لم تكن تملك أيهما بعد. ودت لو كانت أخبرته أنها سهرت للمرة الأولى في حياتها تفكر في " الما وراء" وعلاقته بالأحداث اليومية، وأنها تعتبره أقرب إنسان لها في الوجود، وأنها مدينة له بالكثير إلى آخر حياتها، لكنها خافت. الظنون تتلاعب بكل العقول فلماذا يكون هو الاستثناء؟ الظنون تلاعبت حتى بعقل أبيها حول علاقتها بالغامض، رغم كل تأكيداتها وتأكيداته أن لاشيء هناك، وأن الأمر أسمى من اختزاله في هذا الضيق.
هنا، ابتعد، صارت بالنسبة له حقل ألغام، لكنه استمر في التحليق حولها من بعيد، وسقايتها بالعلامات وشد عودها لأعلى بدلا من أن ينحني. ولم تكن تعرف هي أن ذلك كان أفضل بكثير، هكذا كان الدرس الثاني، عندما تتحول العلاقات القريبة البعيدة الملتبسة إلى علاقات distinguished!

 You'll suffer greatly
 
في السنة الأخيرة، كانت تلك نبؤته لها. لم يعتذر عن تشاؤم القول، لم يطمأنها أنه يمزح فقط وإنما أكد على كلماته بإصرار، مذكرا إياها بالاستمرار كشجرة، لا كفرع معوج حله الوحيد البتر. أخبرته أنه استمر طيلة سنوات في إقناعها بالتخلي عن تشاؤمها السخيف وكانت هي ترفض، لأنه رغم سخفه مألوف، لأن تشاؤمها كان درعها الحميم الغالي ضد الخيبات المتتالية، ولم يتركها عارية ولو مرة، فلماذا يعيده إليها الآن؟
ذلك اليوم، ابتسم، بدا حكيما جدا وهو يؤكد أن القادم أسوأ وعليها أن تتحمل. كانت دوما متأكدة من عدم اكتمال مشاريع حياتها بشكل طبيعي، كأن تحب ولا تتزوج، أو تتزوج ولا تنجب، أو تتزوج وتطلق، أو تتزوج وتنجب طفلا غير طبيعيا.. تلك الأحداث الحياتية الطبيعية كانت دائما في مخيلتها منقوصة. شعرت يومها لأول مرة أنه لا عدل في ذلك النقصان، ولا عدل أن يعيد إليها أشباحها الآن بعدما خطفهم منها في البداية. غضبت كثيرا وقالت له: خذلتني!
ذلك اليوم، كان الأخير الذي رأته فيه حقيقة. الآن، يكتفي بالظهور كل فترة ليخبرها أن حياتها على وشك التحول بشكل دراماتيكي جدا، وأن الاستعداد واجب، بعدها تستيقظ.


Saturday, November 13, 2010

سكينة

God grant me the serenity
To accept the things I cannot change
Courage to change the things I can
Wisdom to know the difference
Patience for the things that take time
Freedom to live beyond the limitations & my past
The strength to get up & try again
Even when I feel it is hopeless.

Friday, November 12, 2010

عن الإصبع الكبير



تخيل ما يشعر به إصبع القدم الكبير.. إنه بدين ومحني، وأحيانا يتصبب عرقًا وتكون رائحته غير مستحبة. إنه ليس جميلا كالشعر، ولا يلمع كالعيون، ولا يستمتع بسماع الموسيقى كالآذان، أو يتذوق الطعام اللذيذ كاللسان..

لن يسترعي إصبع القدم الكبير انتباه أحد ليقول: "ما أروعك وما أحلاك وما أذكاك أيها الإصبع!" ولكنك دون هذا الإصبع لا يمكنك الجري وستتعرض لمشكلات في السير.. إن الإصبع الكبير في غاية الأهمية، مثل البطل الخفي فائق القوة.

ربما ظننت أنك بدين إلى حد كبير، أو نحيف للغاية، أو طويل جدًا، أو قصير جدًا، أو بوجهك بعض النمش، أو أن أذنيك ضخمتان، أو أن شعرك مجعد للغاية.. إن هذا يشبه القول بأن شعرك مفرود تمامًا، أو أن نقاط النمش مستديرة تمامًا.

في الواقع أنت لست ".... للغاية"، أنت ببساطة شديدة كما أنت، وهذا هو مظهرك.. هذا ما تبدو عليه.. دون زيادة أو نقصان، إنك لا تشبه أحدا آخر.


من كتاب "كن نجمًا متألقًا.. دليل الصغار الذين يشعرون أنهم مختلفون"
تأليف: سوزان أوكيفي

Saturday, October 30, 2010

عطب


لا تربت على كتف أحد
ولا تمنح المفقود
..من مجرد نظرة
المرايا
ظلال
مشوهة
ومنقوصة
 
 
Painting: "Summer Interior" by Edward Hopper