Showing posts with label وسط البلد. Show all posts
Showing posts with label وسط البلد. Show all posts

Saturday, April 07, 2012

واحد بانيه وسط بالجبنة


غريب أن تكون ملهمًا رغم أنك لم تفعل شيئا في الحقيقة. ما يعنيني أن مجرد رؤيتي لاسمك بين الصفحات تجعلني أكتب، آه والله هكذا، دون اكتئاب أو مرارة ضرورية لإشعال جذوة الكتابة نصف الميتة داخلي.

هناك طبعًا أنصاف القصص، التي لم تحي أصلا لتموت، ولكنني ككل البنات الساذجات اللاتي أسخر منهن، أعتبر تلك القصة عاشت فترة فعلا، ثم ماتت وأنت موجود عادي.

أرضعت القصة من ثديي، وأنت كنت تربت عادي على كتفي لمزيد من إدرار الحكايات. كان من الصعب إلى حد ما أن يظل ضرعي ملآن بعد رحيلك، يكفي أنني أساسا ارتضيت كوني بهيمة طوال كل تلك الفترة العصيبة من تاريخي، ولهذا، تحولت الحكايات والابتسامات واللهفة، والخدود الوردية بزيادة عند رؤيتك، إلى جبن مالح، لا يؤكل في الحقيقة من جفافه وتعرضه للشمس وكثير جدًا من الذباب.

سعيد؟ صعب.. بينك وبين الرضا نصف الأرض. في مرحلة ما، لا أدري متى فقد فات الأوان على أية حال، ستشعر بندم بالغ على فرصك التي أهدرتها، وستكون كل شماعات "التوقيت المناسب"، "الخروج من علاقة قديمة"، "الماديات"، "عدم جهوزية النفس" قد تحللت تمامًا، لدرجة أنك - تصور- ستقف أمام المرآة ببساطة وتنظر لنفسك بتمعن قائلا "غبي"!

كل ما هنالك أنني أردت أن أقبلك في جبهتك، بسيطة، قبلة نصف بريئة، ممتزجة بشهوة مخفية تحت ركام صدأ، تماما في منتصف الجبهة، وربما واحدة أخرى بين حاجبيك، والله كنت سأقبلك وسأترك لك الحرية بعدها تفعل ما تشاء، أن يحمر وجهك خجلًا لأشعر أنني عاهرة بالمقارنة بك، أن تنتفض وتتلفت حولك خشية تعليقات الناس، أو حتى أن تتركني فورًا لتشتري ساندوتش بانيه وسط بالجبنة مثلا!

لكن كعادة كل ما يحدث لخططي، لابد ألا تكتمل؛ اكتفينا معًا بالبانيه بالجبنة، وصرت أنا التي تقف يوميًا أمام المرآة لتردد امرأة شاحبة أمامي أنها "غبية"، لا أعرف شيئًا عنك، وأقدم للجميع بشكل دوري الجبن المملح قليل الماء كلما سألوني طعامًا، أو أبدى أي منهم جوعًا ضاريًا.

Sunday, September 25, 2011

الشعرُ يكره أحيانًا


هذه القصيدة غير صالحة للاستخدام الآدمي؛
فسدت لأني لم أضعها في ثلاجة الموتى
ولم أزينها بشرائط وردية
وألصق عليها ورودًا وفراشات.
قصيدتي لا تتكيف مع أحد،
لا تهادن أو تربت بهدوء على مشاعرك،
لا تجعلك تبتسم،
أو تتذكر: أها.. يمكنني أن أشعر بالراحة الآن!
قصيدتي ليست ورق تواليت،
ولا نشافة زيت،
لا تساعد المدمنين على لف السجائر فوقها
لأنها سوداء جدًا،
لن توصلك للحقيقة أو إلى أي مكان آخر.
قصيدتي لا تصلح للحكي أو الاختزال،
لا تصلح كجرافيتي على أحد الجدران
لأنها لن تقبل أن يتبول عليها أحد،
أو يطمسها بقصيدة جديدة «نظيفة مهذبة»...
هذه قصيدة تجادلك حتى تفقد آخر أنفاسك
وتضعك أمام نهاية ملتبسة
لا تعرف بعدها أتصفق
أم تملأ يدك بطماطم فاسدة
وتلقيها في وجه صاحبتها..

Thursday, August 25, 2011

الأرض



أتذكر أن المشهدين الأكثر تأثيرًا في السينما المصرية اكتسبا أهميتهما من المقطوعة الموسيقية التي كانت تدور في الخلفية. أعني المشهدين اللذين يسببان لي ألمًا حقيقيًا في القلب؛ مشهد قتل هنادي (زهرة العلا) في فيلم «دعاء الكروان» وذعر آمنة أختها (فاتن حمامة) مع الموسيقى الرائعة التي وضعها الموسيقي الأجنبي (أندريه رايدر)، والمشهد الأخير في فيلم «الأرض» عندما تلقى محمود المليجي ضربات البندقية على رأسه وظهره، فيما كان دمه يسيل ليروي «الأرض العطشانة»، التي لحنها علي إسماعيل.

الخميس 3 فبراير، نقص الأدوية مع كثرة أعداد المصابين لم يمنعا روح المصريين المرابطين في ميدان التحرير من الارتفاع عنان السماء، أعلى من مئذنة عمر مكرم، و أعمدة النور التي تسلقها أحد الشباب الأبطال فيما بعد ليرفع علم مصر. في كل ركن كنت أرى مصابين، ضمادات أغلبها على الرؤوس وفوق الأعين، كان الملاعين يوجهون الحجارة بحيث تكون قاتلة، تماما كما كانت قوات «الأمن» تحاول حفظ «الأمن» بتوجيه الرصاص للقلوب والرؤوس.

كنت أهرول كالمجانين في الشوارع المحيطة بالميدان، كل المحلات مغلقة إلا بقال أو اثنين تشجعا في سبيل رزق لا ينافسهم فيه أحد، لا صيدليات، وكأن جملة «خدمة 24 ساعة» التي يتباهون بها صارت سبة. على حدود عابدين، لمحت صيدلية تبيع للزبائن من وراء باب حديدي. أظن أني أخذت كل ما لديهم من مضادات حيوية وقفازات طبية ولفافات الضمادات، لم يكن كافيًا، لا شيء كان بإمكانه سد الثقب الغائر في قلب تلك البلد، الثقب الذي اخترقته الرصاصات المتتالية حتى صار الدم في كل مكان.

كررت رحلتي مرتين حتى استسلمت، ثم عدت للميدان أتجول فيه كالسائحين وأفكر أنه من الصعب أن أكون قد شاركت في ثورة لم أحمل منها أثر جرح، أو حتى صورة.. الهتاف لا يعفي من الإحساس الممض أنك لم تفعل ما فيه الكفاية، أنك أقل من أقل جرح أصيب به آخرون كانوا بجوارك.

كان العشرات مازالوا واقفين على كوبري أكتوبر بانتظار أي فرصة لاستكمال الخيانة. أمام المتحف المصري أخذته فجأة في حضني. رجل أشيب الشعر، مصاب كالمصابين، يسير مهرولا باتجاه تمثال الشهيد عبد المنعم رياض، ويتمتم بكلمات غير مفهومة. كان يبكي بحرقة لا تناسب رجلا مصريا اعتدت منه أن البكاء «لا يليق بالرجال». بشكل غريزي بحت لا أفعله حتى مع أبي، جريت إليه واحتضنته، ربتت على كتفه وفهمت منه أن ابنه مات في المستشفى من إصابة يوم 28 يناير. بكينا سويا وهمهمت بأنهم «مش هيضيعوا» وأقسمت له مرارا وكنت متأكدة وقتها أني لن أترك أحدا يضيّعهم من أجل خاطر هذا الرجل الطيب.

الآن، كلما أتذكر أيام الميدان والبكاء والرصيف الذي ذهبت لأكمل بكائي عليه أمام تمثال عبد المنعم رياض والشهداء الذين ضاعوا أكثر من مرة دون أن أنجح في تنفيذ ما وعدت الرجل به، أحاول أن أتخيل الموسيقى التي كان يجب أن تكون في خلفية المشهد. لا أستطيع أن أفكر في الثورة التي يتحدثون عنها في كل مكان، إلا بالحضن الفجائي للرجل المفجوع، وأحيانا لا أذكر من كل الأيام التي قضيتها في الميدان إلا هذه اللحظة، تتضاءل حتى لحظة فرحتي بتنحي المخلوع أمام انكسار القلب ذلك الصباح الذي يبدو بعيدًا.

الآن، كلما مررت أمام المتحف المصري، أسمع الموسيقى التي تفطر القلب عندما انغرس الخنجر في قلب هنادي، وأرى كعب البندقية وهو ينزل على ظهر رجل أشيب الشعر دامع العينين، لا أعرف اسمه ولا أستطيع أن أحتضنه، أخفي عيني بعيدًا عنه لكي لا يتعرف عليّ، أو أتلبس بالدم فوق الأسفلت الأسود الذي لا ينبت مهما شرب منه.

Tuesday, July 26, 2011

كائنات ليلية


الصداع المزمن في الصباح
القهوة التي تزيد من اضطرابات المعدة
الأشعار الناقصة
والجفون المنتفخة
الملحوظات المعلقة على الحائط
وجهاز الكمبيوتر المفتوح
الدولاب المهمل العالي
والملابس المتلاحمة داخله في فوضى
الصمت المتثاقل
والإفطار القابع مكانه أبدا
دون أن يمسسه أحد
بقايا البكاء
والأواني المتسخة
الدفاتر والروايات المبعثرة
فوق السرير، جواره، وتحته
الضوء المزعج المتروك منذ الليلة السابقة
الأحذية المغبرة والمعاطف المعلقة
السكون غير المبرر...

يشتاقون للشمس
وللصوت الآدمي الحميم..
الكائنات الليلية
غالبا
وحيدة


من ديوان "دون خسائر فادحة".. تحت الطبع

Wednesday, June 15, 2011

في مديح العبث

النهارات مرهقة، البدايات خادعة، المرارة المعتادة أسوأ من مرارة طارئة. يومًا ما، سأجد المعنى لكل هذا العبث، أو أجد عبثا منطقيا بما فيه الكفاية لأستغني عن المعنى. الشوارع تلفظ ناسًا، كراسي، مقاهي، محلات بقالة، قمامة، أطفال، موتى، أحبة، مجرمين، مياه، وأحيانا تلفظ أنفاسها فجأة، فأفقد توازني، ثم أستعيده وأفكر: أينا الثابت؟

أحاول أن أتذكر متى بالضبط فقدت «مراجيح المولد» بهجتها، متى اختفت الألوان وتركت لونين كابيين غير مفهومين مكانها، أو حتى من الذي يرى أن اللونين الأبيض والأخضر ملائمان دائما لمآذن المساجد الأثرية، أفشل. أنا لا أرضى بالفشل في إيجاد السبب، لابد أن هناك سببا ما، أنا لا أقبل أنصاف الحلول أو التنازلات أو الغيبيات هكذا، لكنني أصل لعلبة الكبريت المكونة من أربع حجرات قبل أن أجد السبب، وأنسى أنني يجب أن أرى المنطق في كل العبثيات بمجرد النظر في المرآة، ومحاولة تنظيم الأنفاس المتقطعة.

لا أحد يشعر بشرخ غير مفهوم من غصن شجرة مكسور بهمجية، لا أحد يمتن كفاية للأرصفة المرحبة بالأقدام، لا أحد يصمت ليسمع غيره، لا أحد ينظر.. لـيرى.

Thursday, May 12, 2011

البنت التي كلما قابلت فنجانا وضعت فيه سكر



لم أعد أهتم بالاحتفاظ بالمراكب الورقية الصغيرة التي أصنعها من تذاكر الباصات، صرت أوزعها على كل الناس، غرباء وأصدقاء، دون أن أهتم بترك جزءا مني معهم كما كنت أفعل زمان. حتى عندما أكتشف تكدس حقيبتي بهم، أتخلص منهم في أقرب سلة قمامة أو مطفأة. وأحيانا، لو أعجبني راكب غريب جواري في الباص، أو طفل غير مزعج، أمنحها له قبل أن أترك الباص كله بثوان.

لم أعد أحتفظ لك بالمراكب، توقفت عن تدوين كل الأشياء التي تستحق الحكي، أنا لم أعد أرغب في الحكي معك، لأنني اكتشفت أني حين ألقاك، أحكي معي، لي وحدي. لم أعد أتطفل على الدائرة المحيطة بك لأظل بجانبك أطول وقت ممكن، بل صرت أكره وجود الناس بشكل عام، ألقاهم وقتما ألقاهم، لم أعد "ذبابة لزجة"، كل شيء تغير. بعدما فشلت في إقناعك بمكعب سكر واحد في قهوتك السوداء دائما، أصبحت أُسقِط قطعة سكر في كل فنجان أمر به، وفيما يقلبه صاحبه، أذوب.

يمكنك أن تكتئب أكثر، فهذا أكثر ما تجيده بعد الكتابة، أو تشعر بالأسى من أجلي، رغم أنك لو كنت أكثر تركيزا فيما قلته لك لتذكرت أني أمقت "جو الصعبانيات"، يمكنك أن تحاول التخفيف عني بكلمات التنمية البشرية إياها، يمكنك أن تفعل كل شيء كان من الممكن أن تفعله، دون فائدة.

الدروس المستفادة:
ثقب القلب لا يلتئم، يبتلع كل شيء. هناك قطع بازل دائما في غير أماكنها، لا شيء يثير الدهشة، حتى لو كان شلالا من المياه في محطة مترو، أو راقصة باليه في سوق العتبة.

Monday, April 04, 2011

لعنات إبريل




أضطر إلى اختراق المياه التي أغرقت الشوارع بقدميّ، يقتحم تيار المياه الموحل الحذاء ويغرق الشراب القطني. ألعن كل شيء وأدبدب بقدمي على الأرض في محاولة يائسة لتفريغ الأقدام من الماء وتفريغ الغضب من القلب. كل الشوارع خالية، ما من أحد يستعد لتقديم يد المساعدة، ولا حتى كلمة مواساة واحدة. اللعنات تتوالى من فمي بعد أن أضطر لتكرار اختراق الوحل أكثر من مرة بسبب شوارع مصر العظيمة.


أعبر الشارع الرئيسي وأنا أحسب المعادلة سريعا في رأسي، لا يهم البنطلون ولا الكوتشي ولا الطين، المهم أن نجري سريعا من أمام السيارات التي لا ترى جيدا من قطرات الماء المطينة على زجاجها، ولا تردعها إشارة مرور واحدة أو يوقفها عسكري مرور في هذا الوقت اللعين.

على الرصيف أكتشف المأساة، لكي أستطيع الركوب يجب أن أعود من خلال المياه الجارية لمسافة مترين وأقف في نصف الطريق مثلا، إن وجدت شيئا من الأساس. أقرر المضي عكس اتجاه المياه إلى الأمام. الحظ الرائع يلاحقني، سائق مكروباص لطيف يأتي بكل سرعته ليغرقني بالمياه إلى رأسي، نعم.. هي نفس المياه الموحلة التي مررت فيها منذ قليل. يلعب الحظ لعبته دائما معي، أنجو مرة من المطر، فيغرقني سائق أعمى القلب والنظر بالمياه والطين، أو أنجح في العبور دون الخوض في مياه الأسفلت، فتقرر السماء أن تغرقني بكرم لا حدود له.

أستمر في الحسابات المعقدة في رأسي، 25 جنيه للتاكسي، وفي جيبي 35.. وأحتاج فورا لشريط "كونجستال"، يطمئن عقلي قليلا. تاكسي وراء الآخر يرفض، أبدأ اللعنات بصوت أعلى قليلا عن "البيه السواق" و "امال عايزين يروحوا فين بروح أمهم؟" إلى أن يوافق سائق بعدها بنصف ساعة، لكنه يأنف من الوقوف بمحاذاة الرصيف الذي أقف عليه، فأضطر للجري ورائه والخوض في الوحل والمياه للمرة العاشرة.

"مصر تغرق في شبر مياه"، أهز رأسي وأوافق السائق العجوز ذي الصوت الأجش، وأتمم على كلامه "لو بس يخلوا عندهم شوية ضمير في سفلتة الشوارع". يستمر اللغو وأبدأ في الهمهمة وهز الرأس بشكل متكرر، دون أن أعي شيئا مما يقوله، لكنني أميز أشياء لطيفة مثل "مظاهرات إيه؟ دي قلة أدب"، "الدنيا متغرقة وهما مش فارق معاهم برضو ملقحين هناك".

يتزامن وضعي للسماعات في أذني مع دخولنا منطقة وسط البلد. خالية تماما، الحفر الطافحة بالماء تعكس الأضواء المصفرة، وأفكر "طب والله العظيم دي حاجة بديعة". أحاول ألا أركز كثيرا مع قدمي التي فقدت الإحساس بها تقريبا بسبب الماء والبرد. الست فيروز تقنعني مرارا وتكرارا "إيه فيه أمل"، والحاج السائق مازال يرطن بنفس الحماس، إلا إنني اكتشفت أنه يتحدث عن جمال عبد الناصر الآن.

في البيت، أكتشف أني نسيت كومة غسيل محترمة على الحبل منذ أمس، و نسيت شريط "الكونجستال"، كما أني دخلت بالفعل على السجادة بالكوتشي المطين. ولم يكن أمامي شيئا آخر أفعله سوى أن أكيل لفيروز نفسها اللعنات وقتها.. قال أمل قال!


Thursday, March 31, 2011

لولا أنه رحل أولاً




لا شيء
يجمع غريبين،

طعامهما غُصة،
سوى برودة المكيف،
وجودة السَلطة،
و وحدة..
موزعة بالتساوي
بين طاولتين،
تواجه كل منهما
جدارًا منفردًا


Painting by: Edward Hopper

Saturday, October 23, 2010

والسحاب كان مثل ندف الثلج المدرج



للمرة الأولى ألاحظ أن للقرميد لون
بل عدة ألوان
تخيل
كان القرميد أزرق وأحمر وبلون الكاكاو

للمرة الأولى
 أكتشف أن الشجرة المجاورة لسلم محطة المترو
لها أوراق حمراء ونبيذية اللون
رغم إنها تنمو فوق الكوبري

للمرة الأولى
أراني ربما أجمل قليلا مما كنت أتصور
عندما نظرت مرة بالصدفة في زجاج سيارة
كانت مارة بجواري

تخيل
لاحظت كل هذا فقط
لأنك ابتسمت وأنت تقول لي:
صباح الخير!

Wednesday, October 20, 2010

بساقين كالمكرونة


تستند
بأطراف أصابعها
على حافة الدنيا
وتقف!

Thursday, October 07, 2010

متطلبات الحياة اليومية


كان يجب أن أخبرك أن ابتسامة صادقة غير مبررة إليك، يجب أن يكون الرد عليها حضنا كاملا، وش كدة، لا ابتسامة مماثلة كرد فعل نيوتن أو كلمة شكر مبتذلة أو دعوة بالخير.. هذه الأشياء -في وجه ابتسامة تريد أن تخبرك كم أنت جميل- هذه الأشياء كلها وقتها إهانة بنت كلب بجد!

Monday, August 23, 2010

اتجاهات مفتوحة على العبث


كأنك تخرج من فيلم ساذج قديم، تمتزج فيه كل المشاهد بأنين كمان بطيء، ستفترض أن صاحبه وحيد مثلك، أو نقرات بيانو أرستقراطي، ستفترض أن لونه أسود كي تكرهه.
تخبرك البنت التي تشبه جو الفيلم العام "ما ينفعش نفضل أصحاب؟" تدير وجهك بالاتجاه المعاكس وأنت تتمتم بأشياء يعاقب عليها قانون الأخلاق الوضعي، الذي يتجاهل في الوقت نفسه معاقبة مدمني "الكليشيهات" والذين يستقون تجاربهم من أفلام الستينات.
ستتحاشى الزحام والضجيج، والمباني الموشكة على السقوط، وتلك التي سقط بعضها بالفعل فوق رأسك وكان "لله خطط أخرى"1، فلم تمت.
وبما إنه "فيلم ساذج"، ربما توزع ابتسامة أو اثنتين للبنت التي تأتي من الجهة المقابلة، وتختلس النظر لصورتها على زجاج France Airways، أو تمشي وأنت تغني بصوت عال، يتسامح معه الآخرون نسبيا، أو تضجر من كل المقاهي والبارات المنتشرة في المكان، فتذهب لتجلس على العامود الحديدي الأخضر في الميدان، ترقب المارة باستمتاع عجوز، يعرف عنهم أكثر مما يظنون، ولا ينتظر من أيهم شيئاً.
فقاقيع فقاقيع، بانتظار الانفجار الكبير. وقد يبدو من أحدهم بعض ألوان تعكسها الكشافات القوية البغيضة، لكن أحدا لن يلاحظ لونا واحدا مميزا، ولا حتى الفقاقيع نفسها.
تضم أصابعك برفق حول سيجارة وهمية، كان من المقدر لها أن تكون "إل إم" أزرق، لكنها لم تكن. بالمثل ستذهب الأفكار سدى. ويبقى الميدان وحده، يتوسطه التمثال، شاهرا إصبعه منذ الأزل في "وجه من قالوا نعم"2، حتى أصبحت الفكرة مبتذلة تماما، بل وتبعث على بعض الخواطر القبيحة أحيانا!
يبتسم منك نصف فمك الأيسر. كل ما هنالك أنك أنت، وأنك هنا، وأن المارة أصبحوا فجأة كائنات مسلية جدا، تحتمل كل السخرية المتاحة في العالم. أنت - أو هم- كالبنيان، يتساقط بعضه من بعض، و يُسقط بعضه بعضا، دون أن ينتبه أي منهم للخدعة.
تنظر لأعلى. لا ليس للتمثال، ولا لزجاج المكتبة البراق، ولا لفندق "تيوليب"، ولا للدمامل المنتشرة في واجهات العمارات، التي تنقط مياه طوال الوقت على الأرصفة، بل أبعد، أبعد أكثر.. هل وصلت بعد؟
تجاهل سحب الضباب الأسود الذي كاد أن يصبح رومانسيا من فرط ما تعودوا عليه واستبدلوا الأبيض به. وتجاهل القمر الذي تبدو نتوءاته واضحة هذا المساء من وراء الأسود.
 ها هو. قابع هناك، دون منجل أو مركبة مرصعة بالجماجم أو موسيقى تصويرية رخيصة تنشد الرعب. يجلس على ناصية ميدان فوق القمر. يشاهد العالم تحته بدأب. وصدقني، لو دققت قليلا، لوجدت خلفه تمثالا، وفوقه "تيوليبا"، وعلى وجهه ابتسامة ساخرة، ونظرة حكيمة تشبه نظرة العجائز الذين لا ينتظرون شيئا من أحد!

____________________________________

1- من ديوان "بالأمس فقدت زرا" لتامر فتحي
2- من قصيدة "كلمات سبارتاكوس الأخيرة" لأمل دنقل

Friday, August 13, 2010

ونــس




في البدء كانت السلطة، عندما تدحرجت حبة الحمص لتستقر على طاولة بوفيه السلطات الكبير أمام قميصه. تناولتها بإصبعها، أكلتها وهي تقول بابتسامة واضحة "آسفة.. هي عايزة تقع من الصبح"!
عندما اختلست إليه النظر أول مرة، كان يبحث عن منديل ليمسح به آثار البيتزا من فوق قميصه ذي اللون الفاتح، بينما كانت هي تستعد لتأكل قطعتها الثانية بيدها كما اعتادت.
نظر جواره فرآها، ابتسم رغما عنه، وأكمل ما كان يقوله لصديقه، الذي أخبره في نفس اللحظة أن هناك فتاة في الطاولة المجاورة تأكل بنفس طريقته، تأكل البيتزا بيدها بدلا من الشوكة والسكينة.
بعدها، أصبح من العادي أن يختلس هو الآخر النظر إليها، وتأكد مما فكر به، حينما أمسكت بالمنديل الورقي لتنفض عن بلوزتها البنفسجية قطعة طماطم سقطت منها وهي تأكل.
طلبا الحساب في نفس الوقت، ودون مواربة نظرا إلى بعضهما وابتسما. خرج هو وصديقه أولا، بينما كانت هي تلملم بقاياها من على الطاولة، وتبتسم بلا توقف للفراغ الذي تركه ظله على الزجاج.


Thursday, May 06, 2010

ضرورة أن تتخلى الأماكن عن ذاكرتها

في كل مرة أعبر الممر الواصل بين شارع طلعت حرب وشارع كريم الدولة أستطيع أن أميز ذلك الرصيف. عال قليلا، رخامي، شبه مظلم. لجأت إليه في إحدى ليال مارس الماضي، سكبت عليه عدة أشياء منها الكثير من الدموع والكثير من الأفكار التي كتبتها بشكل متسرع في مفكرتي الصغيرة. أفنيت ليلتها كم محترم من المناديل ومن الصفحات ومن طاقة الغضب غير المبررة التي كانت تحتدم داخلي، و كان المارة من العدل - معظمهم- بحيث تركوني وشأني.

ربما سيتذكر مكاوي سعيد أو خالد كساب جلستي المريبة تلك، أو تتذكر الفتاة الأمريكية الحسناء التي جلست قبالتي تتحدث إلى "أمير" الذي تأخر عليها وهي لا تعرف أين تذهب، أو سيتذكر الرجل الذي كان يصر على توجيه السيارات الفارهة للأركان الخالية المتبقية لتشغلها ويقبض هو "الشاي"، لكن هذا كله مستبعد.

يومها كنت أشبه الأطفال المتسولين الذين يسندون ظهورهم إلى واجهات المحلات وهم يمثلون الاستذكار من أجل المال، غير أنني لم أكن أطلب مالا، ولا اهتماما، كنت - كالعادة- أطلب أمانا، ولم يكن موجودا في أي مكان، لا في وسط البلد ولا في المارة ولا في المكالمات الهاتفية التي كنت أجريها منذ أن وطأت أقدامي ميدان التحرير. كنت أتمنى يومها أن يضمني أحد حتى لو لم يكن يعرفني، بل لأنه لا يعرفني.

الآن، لا أبكي أمام المارة، ولا أكتب على الأرصفة، ليس كثيرا على أية حال. أعبر أحيانا ذلك الممر الصغير، أمر عليه بصوتي العالي وضحكاتي وخطواتي السريعة الواسعة، لكنني كل مرة أتوقف أمام الرصيف الرخام، ويخيل إلىّ أنني أرى آثار البكاء عليه، لم تجف بعد.