Showing posts with label كوابيس مقيمة. Show all posts
Showing posts with label كوابيس مقيمة. Show all posts

Monday, May 07, 2012

أنت روح العالم


ما الذي يوحِّد هذا الخليطَ المرعبَ من الأشلاءِ والأحلام، من الموتِ والحياة، طموح الحياة في أن يحيا البشر بكامل إنسانيتهم، أحرارًا يمتلكون شمس نهارهم، كما يمتلكون مصيرهم.

يقف الإنسان اليوم على حافةِ الجنون في هذه المنطقة بالذات، يقف على حافة انفجاره، محتشدًا بغضبٍ لا حدودَ له وهو يراقب ظلامَ الغطرسة يفترس روحه وجسده ويتسلى به ببطءٍ دام، يكفي أن يراقب المرءُ نفسه، شاعرًا كان أم فنانًا أم بائع خضار، قليلا وهو يتتبع فصولَ مأساته الزاحفة، حين يشاهد الأخبار، أخبار المذبحة المستمرة هنا وهناك.. يكفي ذلك ليرى نفسه فيما بعد، ودون أن يدري، ذاهبًا لتفقد أطفاله واستدعاء وجوه أحبته وأصدقائه وأسماء الكتبِ التي يود أن يقرأها والشوارع التي تمنى أن يسير فيها والمدن التي أحبها قبل أن يراها.

روح العالم أين تتجسد الآن؟ أين تسكن؟ وكيف تستطيع اليوم الحفاظَ على براءتها في زمن القتل على الهواء مباشرة، والحفاظ على ارتفاعها في زمن الطائراتِ العمودية التي تصر على أن تسوي كل شيء بالحضيض، لا بالأرض؟ أين يمكن أن تتوارى هذه الروح القابضة على سحر جمالها، جمرةً، في زمن طائرات الشبحِ الخفية؟ وكأن العالم كان بحاجة لشياطين جدد بأرديتهم الفضفاضةِ السوداء.

روح العالم أين يمكن أن تتجول اليوم في زمن اصطياد الأجنةِ على الحواجز العسكرية والحدود المغلقة التي تحوّل حليب الأطفال إلى هدف استراتيجي لدبابات ميركافا وصواريخ توما هوك واليورانيوم المنضب وغير المنضب.

روح العالم أين هي اليوم في زمن محاكم التفتيشِ الجديدة، في العصور التي نعيش، في العصور التي نموت، العصور الأكثر حلكةً في تاريخِ البشر، العصور العار، عصور القتل الجماعي على الهوية والدين ولون العيون، عصور العنصرية التي تتقدم لاقتياد شعوب بأكملها ودول بأكملها وتحويلها إلى مزارع عبيد يعمل فيها البشر مقابل الحصول على رائحةِ طعامهم لا أكثر؟
إبراهيم نصر الله
السيرة الطائرة

Saturday, April 07, 2012

واحد بانيه وسط بالجبنة


غريب أن تكون ملهمًا رغم أنك لم تفعل شيئا في الحقيقة. ما يعنيني أن مجرد رؤيتي لاسمك بين الصفحات تجعلني أكتب، آه والله هكذا، دون اكتئاب أو مرارة ضرورية لإشعال جذوة الكتابة نصف الميتة داخلي.

هناك طبعًا أنصاف القصص، التي لم تحي أصلا لتموت، ولكنني ككل البنات الساذجات اللاتي أسخر منهن، أعتبر تلك القصة عاشت فترة فعلا، ثم ماتت وأنت موجود عادي.

أرضعت القصة من ثديي، وأنت كنت تربت عادي على كتفي لمزيد من إدرار الحكايات. كان من الصعب إلى حد ما أن يظل ضرعي ملآن بعد رحيلك، يكفي أنني أساسا ارتضيت كوني بهيمة طوال كل تلك الفترة العصيبة من تاريخي، ولهذا، تحولت الحكايات والابتسامات واللهفة، والخدود الوردية بزيادة عند رؤيتك، إلى جبن مالح، لا يؤكل في الحقيقة من جفافه وتعرضه للشمس وكثير جدًا من الذباب.

سعيد؟ صعب.. بينك وبين الرضا نصف الأرض. في مرحلة ما، لا أدري متى فقد فات الأوان على أية حال، ستشعر بندم بالغ على فرصك التي أهدرتها، وستكون كل شماعات "التوقيت المناسب"، "الخروج من علاقة قديمة"، "الماديات"، "عدم جهوزية النفس" قد تحللت تمامًا، لدرجة أنك - تصور- ستقف أمام المرآة ببساطة وتنظر لنفسك بتمعن قائلا "غبي"!

كل ما هنالك أنني أردت أن أقبلك في جبهتك، بسيطة، قبلة نصف بريئة، ممتزجة بشهوة مخفية تحت ركام صدأ، تماما في منتصف الجبهة، وربما واحدة أخرى بين حاجبيك، والله كنت سأقبلك وسأترك لك الحرية بعدها تفعل ما تشاء، أن يحمر وجهك خجلًا لأشعر أنني عاهرة بالمقارنة بك، أن تنتفض وتتلفت حولك خشية تعليقات الناس، أو حتى أن تتركني فورًا لتشتري ساندوتش بانيه وسط بالجبنة مثلا!

لكن كعادة كل ما يحدث لخططي، لابد ألا تكتمل؛ اكتفينا معًا بالبانيه بالجبنة، وصرت أنا التي تقف يوميًا أمام المرآة لتردد امرأة شاحبة أمامي أنها "غبية"، لا أعرف شيئًا عنك، وأقدم للجميع بشكل دوري الجبن المملح قليل الماء كلما سألوني طعامًا، أو أبدى أي منهم جوعًا ضاريًا.

Sunday, September 25, 2011

الشعرُ يكره أحيانًا


هذه القصيدة غير صالحة للاستخدام الآدمي؛
فسدت لأني لم أضعها في ثلاجة الموتى
ولم أزينها بشرائط وردية
وألصق عليها ورودًا وفراشات.
قصيدتي لا تتكيف مع أحد،
لا تهادن أو تربت بهدوء على مشاعرك،
لا تجعلك تبتسم،
أو تتذكر: أها.. يمكنني أن أشعر بالراحة الآن!
قصيدتي ليست ورق تواليت،
ولا نشافة زيت،
لا تساعد المدمنين على لف السجائر فوقها
لأنها سوداء جدًا،
لن توصلك للحقيقة أو إلى أي مكان آخر.
قصيدتي لا تصلح للحكي أو الاختزال،
لا تصلح كجرافيتي على أحد الجدران
لأنها لن تقبل أن يتبول عليها أحد،
أو يطمسها بقصيدة جديدة «نظيفة مهذبة»...
هذه قصيدة تجادلك حتى تفقد آخر أنفاسك
وتضعك أمام نهاية ملتبسة
لا تعرف بعدها أتصفق
أم تملأ يدك بطماطم فاسدة
وتلقيها في وجه صاحبتها..

Friday, August 12, 2011

كوميكس




الأزمة الوجودية هي التي تنبع من فمك بسلاسة، فيما نصفك الأسفل مقيد داخل صندوق، ونصفك الأعلى مربوط بسلسلة من بلالين الحوارات الفارغة. كل هذه الأشياء المجردة عظيمة، رائعة، أنت نفسك تختال ببساطة أمام كل مرآة تمر بك، لكن من أين يأتي الوجود الأعظم؟ من أين تكتسب الأزمة أهميتها وقدميك لا تطالان الأرض أصلا؟

على وجهك خرائط الفشل، وتجاعيد بسيطة لانتصارات صممت على الاحتفاظ بها كتذكرة بدلا من نذالة الأيام، الندبات الصغيرة تشي بكره عميق للذات، واشتعال وجهك بالألم يعكس حرقة القلب التي تصمم على أن تشكو منها لعديمي الوجوه.

في المرات القليلة التي استيقظت فيها ووجدتك نائما على غزال وليد، كانت الشمس تنأى باشمئزاز عن النافذة، وتذهب لتوقظ جارتك التي تستيقظ دائما على زوجها بين ذراعيها، وابنها المزعج يكسر شيئا ما بالمطبخ. الغزال لا يئن، لا يتحرك، الغزال ولد أصلا ميتا.. وجارتك تترك ابنها يكسر كل شيء مقابل لحظات مختلسة صباحا ربما تفرز غزالا بين قدميها بعد بضعة أشهر.

كل هؤلاء المرضى المدعين بنفوسهم المتقيحة وكلماتهم الملتوية التي يصفق لها الجهلاء لأنها تبدو معقدة ومهمة بشكل ما، يرحبون بك وبوجهك المشتعل وغزالتك الميتة وبلالينك البيضاء من غير سوء. تمعن في المشهد، واستمتع.. أشياء مثيرة على وشك الحدوث.

Tuesday, July 26, 2011

كائنات ليلية


الصداع المزمن في الصباح
القهوة التي تزيد من اضطرابات المعدة
الأشعار الناقصة
والجفون المنتفخة
الملحوظات المعلقة على الحائط
وجهاز الكمبيوتر المفتوح
الدولاب المهمل العالي
والملابس المتلاحمة داخله في فوضى
الصمت المتثاقل
والإفطار القابع مكانه أبدا
دون أن يمسسه أحد
بقايا البكاء
والأواني المتسخة
الدفاتر والروايات المبعثرة
فوق السرير، جواره، وتحته
الضوء المزعج المتروك منذ الليلة السابقة
الأحذية المغبرة والمعاطف المعلقة
السكون غير المبرر...

يشتاقون للشمس
وللصوت الآدمي الحميم..
الكائنات الليلية
غالبا
وحيدة


من ديوان "دون خسائر فادحة".. تحت الطبع

Monday, April 25, 2011

لورا




الكوابيس المقيمة تهاجم فجأة وبضراوة؛ على المقاهي، الأرصفة، مقاعد المترو، و تخرج من شروخ الجدران التي تستند عليها. وقد تتجسد المأساة ببساطة في اشتباك حرف النون بالوردة المرسومة على تورتة خيالية، تحضّرها امرأة تعيش بين ميتتين لا تختلفان كثيرًا عن الواقع.

الكوابيس السابقة، تهدم الفكرة الأساسية للمادة، فهي لا تفنى، لكنها تستحدث من العدم، وكلما ظننت أنها "غارت" دون رجعة، تفاجئك كمهرج سخيف ينبثق من علبة مهجورة، أو شارع مررت فيه مرة، أغنية ما تحمل معاني ضحلة، رائحة أو "لازمة كلام"... تذكرك أن "ثباتك الانفعالي" وهم، وتثبت أن المهرجين ليسوا مضحكين على الإطلاق، بل مثيرون للرعب.

Photo: Laura Brown (starred by: Julianne Moore) in The Hours

Thursday, March 31, 2011

لولا أنه رحل أولاً




لا شيء
يجمع غريبين،

طعامهما غُصة،
سوى برودة المكيف،
وجودة السَلطة،
و وحدة..
موزعة بالتساوي
بين طاولتين،
تواجه كل منهما
جدارًا منفردًا


Painting by: Edward Hopper

Tuesday, July 20, 2010

مثقلة بالحجارة



كانت فيرجينيا معي في القطار، تحدق في تارة بوقاحة ثم تحدق في الركاب المحيطين وتتأفف من ضجيجهم. تعاود التحديق في الأوراق التي وضعتها على رجلها في شبه فوضى. لا تستطيع أن تجلس "بإتيكيت" أبداً، مفتوحة الساقين نوعا، محدبة ظهرها، رغم المقعد المريح.
تحاشيت النظر إلى ملابسها. وجودها يكئبني و أصدق أنني أشبهها إلى حد كبير. مقعدها يقطر ماءً، وهي لا تبالي، أنا أيضا لا أهتم بجيوبها المنفوخة وشعرها المبتل.
تقول فجأة "هذا القطار يقتلني"!
أنظر إليها وأبكي دون صوت. يتوقف القطار تدريجيا في مكان غير معلوم لسبب غير معلوم. ألمح ذيل فأر طويل بين القضبان، ثم أتفرج على جسده الضئيل بعدها. وتلمع عيني في إثارة "فأر.. ذيله طويل جدا"!
لا أرى اهتماما. يتحرك القطار ببطء. 
 يسألني بعدها بشهور وكأنه فجأة تذكر "أين الفأر؟"
أختنق بالمياه وتغيب عني الرؤية شيئا فشيئاً، وآخر كلماتي أن "فرمه القطار"!

Thursday, May 06, 2010

ضرورة أن تتخلى الأماكن عن ذاكرتها

في كل مرة أعبر الممر الواصل بين شارع طلعت حرب وشارع كريم الدولة أستطيع أن أميز ذلك الرصيف. عال قليلا، رخامي، شبه مظلم. لجأت إليه في إحدى ليال مارس الماضي، سكبت عليه عدة أشياء منها الكثير من الدموع والكثير من الأفكار التي كتبتها بشكل متسرع في مفكرتي الصغيرة. أفنيت ليلتها كم محترم من المناديل ومن الصفحات ومن طاقة الغضب غير المبررة التي كانت تحتدم داخلي، و كان المارة من العدل - معظمهم- بحيث تركوني وشأني.

ربما سيتذكر مكاوي سعيد أو خالد كساب جلستي المريبة تلك، أو تتذكر الفتاة الأمريكية الحسناء التي جلست قبالتي تتحدث إلى "أمير" الذي تأخر عليها وهي لا تعرف أين تذهب، أو سيتذكر الرجل الذي كان يصر على توجيه السيارات الفارهة للأركان الخالية المتبقية لتشغلها ويقبض هو "الشاي"، لكن هذا كله مستبعد.

يومها كنت أشبه الأطفال المتسولين الذين يسندون ظهورهم إلى واجهات المحلات وهم يمثلون الاستذكار من أجل المال، غير أنني لم أكن أطلب مالا، ولا اهتماما، كنت - كالعادة- أطلب أمانا، ولم يكن موجودا في أي مكان، لا في وسط البلد ولا في المارة ولا في المكالمات الهاتفية التي كنت أجريها منذ أن وطأت أقدامي ميدان التحرير. كنت أتمنى يومها أن يضمني أحد حتى لو لم يكن يعرفني، بل لأنه لا يعرفني.

الآن، لا أبكي أمام المارة، ولا أكتب على الأرصفة، ليس كثيرا على أية حال. أعبر أحيانا ذلك الممر الصغير، أمر عليه بصوتي العالي وضحكاتي وخطواتي السريعة الواسعة، لكنني كل مرة أتوقف أمام الرصيف الرخام، ويخيل إلىّ أنني أرى آثار البكاء عليه، لم تجف بعد.

Saturday, December 12, 2009

فوضى الأماكن

أنت لا تعلم كم هو أمر مؤلم أن يكون اللامكان موطنك الذي تنتمي أو لا تنتمي له. تستخدم فعلاً مضارعاً فقط لأنك لست متأكداً مما إذا كان الماضي قد أصبح ماضياً فعلاً أم لا، بينما لا يسعك الوثوق بمستقبل لا يأتي ولا يبشرك بتغيير تنتظره. تتحرك دائماً بأمتعة كثيرة. حين تواجهك خانة "محل الإقامة" تتردد طويلاً، كابوس هو ألا تعرف فعلاً من أين أنت وإلى أين. أي تلك العناوين الكثيرة التي تنقلت بها بيتك؟ أيهم تشعر فيه بالأمان للدرجة التي تجعلك تعتبره وتكتبه في أوراقك الرسمية "عنوانك"؟ أيهم أمهلك القدر فيه فرصة كافية كي تمكث به عمراً كي تتصالح معه أو حتى تقاطعه؟! لا تبحث من فضلك عن إجابات لن تجدها، يكفيك عمراً من الخيبات المتشابهة.

حقيبتك حياتك، تتمسك بها، تظل دوماً حقيبة، لا تتغير كي تصبح دولاباً مثلا أو غرفة نوم، مكانها على الأرض، مكبوتة أغراضك داخلها، تعذبك بوجودها وثقلها، تعذبك لأنها ستظل حقيبة. الانتقال لمكان جديد يجعلك دائماً في منتهى الحذر، لأنك خائف من تفريغ نفسك وأمتعتك، كل مرة فعلتها لملمتهم ثانية وأسرع من المتوقع. مع الوقت تتأقلم على فوضوية الحياة كحقيبة؛ الأرفف رفاهية، الأمكنة التي تشبهك رفاهية، الأمان رفاهية، البشر الذين يشاركونك الحياة في مكان واحد وينفذون وعودهم بحمايتك رفاهية، حتى خوفك من الفقد... رفاهية. كم مرة قررت أن تبحث عما وراء الأساسيات وتنشد الرفاهية؟!

طبعاً تستحق ما يفعل بك، لأنك بسهولة وبساطة تصدق كل وعود الزمن بالأمان كل مرة. إنسان يصدق الكذب ألف مرة هو إنسان لا يستحق الصدق أصلاً. أمتعتك جاهزة دوماً، قلبك لم يعد يتعلق بالأماكن، و إلا لكان عليه أن يتعلق بأكثر من 20 مكاناً تنقلت بينهم في كل مراحل حياتك القصيرة، وهذا كثير نوعاً ما بالنسبة لقلب مشوه. تحتاج إلى أن تشعر بالملل فعلا من مكان ما، أي مكان... لا أن تتركه فجأة بسبب طردك منه أو خطفك منه أو لأن هذا هو الحل الوحيد لاستكمال حياتك.

الدرس الأخير: انس الأماكن، انس المارين بحياتك، انس كل شيء إلا الحقيبة.