مواضع الاتهام كثيرة، متعددة، مختلفة (لضمان عدم الملل)، تدعو للاستنكار أحيانا، وتدعو للاعتراض (بطريقة قبيحة أحيانا برضو)..
في لحظة ما، ستكتشف الحقيقة الكبرى.. عزيزي البني آدم.. يمكن لأي شخص، يحبك أو يكرهك، يعرفك أو يجهلك، أن يتهمك بأي شيء، يعاقبك على شيء فعلته، ويعاقبك (في نفس ذات الوقت) على شيء لم تفعله..وخد عندك
.
أنت متهم بالكآبة دائما، ما لم تصل الابتسامة لأذنيك 24 ساعة في اليوم
ومتهم بالمياعة لو فضلت نفس الابتسامة على وشك 24 ساعة في اليوم
ومتهم بالتجهم لو احتفظت بوشك عادي (ابتسامة الخط المستقيم إياها)
.
لو قلت بعض إسرارك.. أنت جردل وبتدلدق في أي حتة
لو احتفظت بها..فأنت غامض وإتم "آخر حاجة"
لو لم يكن لديك أسرار من أصله.. إيه يا عم الفراغ اللي أنت فيه ده؟!
.
لو تعرضت للتحرش –كبنت طبعا- فاللبس هو السبب
لو اتكلمت.. عينها بجحة وهي اللي تستاهل
لو ماتكلمتش.. ماهي مبسوطة باللي بيحصل
لو نزلت من الأتوبيس.. هيتحرش بيها حد تاني في الأتوبيس اللي بعده!
.
لو موافق الحكومة.. إنت منافق وعميل
لو كرهت الحكومة..معارض ومش عاجبك حاجة
لو وقفت ع الحياد..اصلك تافه ومالكش مبدأ
لو ماهتميتش اصلا.. تبقى من الغوغااااء!
.
ولهذا..قررت بكل بساطة، أن أهدي العالم خلاصة حكمتي وتجاربي... عزيزي البني آدم..توقف عن تقديم المبررات و الدفاعات أمام كل الاتهامات الموجهة إليك، وارفع حاجبك الأيسر وأنت تقول من كل قلبك "ياكش تولع" !
في الطريق، من ميدان إلى آخر، تتساقط الأفكار مني، ولا ألتقطها ثانية خشية الغرق فيها. حقيبتي ثقيلة وكبيرة بما يكفي لتتسع أحلامي وخيباتي معا، لكنني أحاول ألا أحشر فيها الأفكار الطارئة. أخرج من الأتوبيس الضيق وأنا ألملم نفسي وأطمئن على ما تبقى مني.
أذهب إلى الكشك الذي اعتدت شراء الكيك المغلف منه كل يوم. أصناف كثيرة ملونة مرصوصة أمامي، كلها تحتوي على كميات كثيرة من السكر، ولا يستطيع أيا منها أن يزيل المرارة العالقة بروحي. "للصبر حدود" تصدح من راديو البائع، وتذكرني أني أعاني الوحدة لأني أدركت هذه "الحدود" مرة.
يستقبلني موظف الأمن أمام بوابة العمارة، أبادره كعادتي بالسلام فيرد "إنتي معيطة ليه النهاردة؟" أندهش كثيرا، وأتماسك أكثر "أصل ده العادي بتاع يوم الأربع" أبتسم بمرارة وأغادر سريعا.
أنتظر المصعد وأفكر أن كل انتظار مُر بطبعه، أؤكد بصوت يكاد يكون مسموع "أنا كويسة..أنا فعلا كويسة"، أفكر في انعدام التوازن المؤقت الذي أعانيه، وفي الوحدة المستمرة فأحصل فورا على صحبة.
يضمني المصعد الضيق، جواري رجل لا أعرفه، ولا أرفع وجهي لأحاول، لأني بت أفتقد الطاقة والفضول للتعرف على آخرين أو حتى مراقبتهم. تداعب أنفي رائحة كنت أظن أني نسيتها، وكنت أطلب من الله أن أتلبس بها في الطريق صدفة كي تذكرني به، أدرك أخيرا أنه ينبغي علي أن أكون أكثر حذرا فيما أتمناه في المستقبل.
يمر دهر وأنا أتعذب بالعطر الذي يذكرني بتفاصيل أجاهد لأنساها، وتضع ألف ألف خط على ذكريات سيئة بما يكفي لأكرهها، وذكريات أخرى تبدو لي الآن كأنها كانت لغيري ولرجل آخر سوى الذي أحببته.
يغادر الرجل المصعد في الدور الخامس ويترك لي رائحته، بينما أكمل في الأدوار الثلاثة المتبقية طقوس "الأربعاء"، و أزيل آثار العدوان البادي على وجهي، وأتظاهر أني طبيعية بما يكفي لأبدأ اليوم.
الدور الثامن.. الكثير من"أنا كويسة" و "زي الفل". أجلس لأشاهد أسوأ ما يحدث في العالم. أتجاهل الرائحة العالقة بملابسي، وأتجاهل صوت أم كلثوم الذي يصرخ في أذني بالصبر. أبدأ في رشف النيسكافيه الساخن، وأنا أفض غلاف الكيك بابتسامة متفهمة، راضية نوعا ما.