أنت لا تعلم كم هو أمر مؤلم أن يكون اللامكان موطنك الذي تنتمي أو لا تنتمي له. تستخدم فعلاً مضارعاً فقط لأنك لست متأكداً مما إذا كان الماضي قد أصبح ماضياً فعلاً أم لا، بينما لا يسعك الوثوق بمستقبل لا يأتي ولا يبشرك بتغيير تنتظره. تتحرك دائماً بأمتعة كثيرة. حين تواجهك خانة "محل الإقامة" تتردد طويلاً، كابوس هو ألا تعرف فعلاً من أين أنت وإلى أين. أي تلك العناوين الكثيرة التي تنقلت بها بيتك؟ أيهم تشعر فيه بالأمان للدرجة التي تجعلك تعتبره وتكتبه في أوراقك الرسمية "عنوانك"؟ أيهم أمهلك القدر فيه فرصة كافية كي تمكث به عمراً كي تتصالح معه أو حتى تقاطعه؟! لا تبحث من فضلك عن إجابات لن تجدها، يكفيك عمراً من الخيبات المتشابهة.
حقيبتك حياتك، تتمسك بها، تظل دوماً حقيبة، لا تتغير كي تصبح دولاباً مثلا أو غرفة نوم، مكانها على الأرض، مكبوتة أغراضك داخلها، تعذبك بوجودها وثقلها، تعذبك لأنها ستظل حقيبة. الانتقال لمكان جديد يجعلك دائماً في منتهى الحذر، لأنك خائف من تفريغ نفسك وأمتعتك، كل مرة فعلتها لملمتهم ثانية وأسرع من المتوقع. مع الوقت تتأقلم على فوضوية الحياة كحقيبة؛ الأرفف رفاهية، الأمكنة التي تشبهك رفاهية، الأمان رفاهية، البشر الذين يشاركونك الحياة في مكان واحد وينفذون وعودهم بحمايتك رفاهية، حتى خوفك من الفقد... رفاهية. كم مرة قررت أن تبحث عما وراء الأساسيات وتنشد الرفاهية؟!
طبعاً تستحق ما يفعل بك، لأنك بسهولة وبساطة تصدق كل وعود الزمن بالأمان كل مرة. إنسان يصدق الكذب ألف مرة هو إنسان لا يستحق الصدق أصلاً. أمتعتك جاهزة دوماً، قلبك لم يعد يتعلق بالأماكن، و إلا لكان عليه أن يتعلق بأكثر من 20 مكاناً تنقلت بينهم في كل مراحل حياتك القصيرة، وهذا كثير نوعاً ما بالنسبة لقلب مشوه. تحتاج إلى أن تشعر بالملل فعلا من مكان ما، أي مكان... لا أن تتركه فجأة بسبب طردك منه أو خطفك منه أو لأن هذا هو الحل الوحيد لاستكمال حياتك.
الدرس الأخير: انس الأماكن، انس المارين بحياتك، انس كل شيء إلا الحقيبة.
الصدفة وحدها قادتني لقراءة مشكلة في مجلة عن فتاة في بداية سن المراهقة يتحرش بها شقيقها(أخوها بصلة الدم!) وهي لا تعرف ماذا تفعل. والغضب وحده هو الذي جعلني أكتب هنا عن الاستفزاز الذي سببه لي الرد الذي تلقته الفتاة من المجلة.
السيدة التي ردت عليها نصحتها بكتمان الأمر تماماً و"ستر فضيحة" أخوها وأن تلبس دائماً ملابس تغطيها حتى وهي في البيت وان تبتعد تماما عن اي ملابس قد تكشف اي جزء من جسدها وأن تكون أكثر حرصاً وهي نائمة وتحاول دائماً وبشتى الطرق ألا تكون في البيت وحدها حين يكون أخوها موجوداً معها!!!!
و أضافت المسؤولة عن الرد على مشاكل القراء أن الفتاة يجب ألا تفضح أخوها لكي يمن الله عليها بثواب ستر الفضيحة وأن الفتاة لو أخبرت أحداً فإن هذا بمثابة تهديد بدمار العائلة كلها!
ولأني قد تجاوزت حدود الغضب المعتاد الآن لا أعرف تحديدا من أي أبدأ الصراخ! هل أبدأ من امرأة ناضجة مثقفة (أو المفروض أن تكون كذلك) وهي تنصح فتاة بريئة بالصمت التام على واقعة تحرش تكاد أن تتحول إلى واقعة زنا محارم واضحة؟
الصمت في أي حالة تحرش من جانب البنت معناه تكراره، معناه ضياع حقها بالكامل و معناه أنها ستكافيء نفسها بمشاكل نفسية لا حصر لها ستظل تلازمها بقية حياتها. صمتها معناه أن تتذكر البنت الواقعة كل يوم وتحاسب نفسها كثيراً لأنها لم تخبر أحداً وبالتالي تشعر بأن الذنب كله يقع عليها فيما يحدث.. وهو بالمناسبة تفكير كل فتاة تم التحرش بها مهما كان رد فعلها أو ظروف الواقعة نفسها!
وما معنى كلمة "ستر الفضيحة"؟ هل معناها أن تفقد البنت عذريتها نفسيا – وربما جسديا إذا تطور الأمر نتيجة للصمت وعدم اتخاذ رد فعل- من أجل أن تظل سمعة أخيها نظيفة أو سمعة العائلة الكريمة بلا غبار ؟؟!! وماذا عن الفتاة نفسها؟ ما هذا الرد المتخاذل الذي يؤدي إلى خذلان وفشل أكبر؟!!
أما نصيحتها للبنت بأن ترتدي ملابس تغطيها طوال الوقت فكأنها تلقي بالمسؤولية أيضاً على الفتاة، كأن بنت في الرابعة عشر هي التي تغوي أخيها بملابسها وهي أصلا مازالت طفلة!! نفس النغمة المريرة المتخلفة التي نسمعها في الشوارع والنواصي وعلى المقاهي وفي الاتوبيسات، البنت التي ترتدي مايغطيها تحمي نفسها من شرور الرجال بينما التي ترتدي ملابس غير لائقة تستحق مايحدث لها، ناسين أو متناسين أن معظم المتحرش بهن محجبات ومنتقبات في إشارة واضحة إلى أن المتحرش لا يفرق بين عارية ومحتشمة، المهم أنها أنثى.
والسذاجة الواضحة في الرد تجعلك تفكر: هل شاب ناضج استباح جسد أخته المحرمة عليه ليتحرش جنسياً بها سيتوقف عن مثل هذا الفعل لو ارتدت مايغطيها مثلا؟؟ وهل من المفترض أن تفقد هذه الفتاة الصغيرة كل الأمان المتمثل في البيت وفي أخوها الذي يفترض أن يحميها هو فتظل مرعوبة صامتة طوال الوقت لا هي قادرة على أن تخبر أحداً فينهاه عن فعله المشين ولا هي قادرة على مغادرة بيتها والنجاة بنفسها؟!
هل تماسك العائلة المزعوم أهم من مستقبل فتاة في مقتبل العمر ستظل تعاني من آثار هذا الانتهاك المقزز ؟ و أي عائلة تلك التي تتحدث عنها كاتبة الرد وهي ترى أن عالم الفتاة بأكمله واحساسها بالأمان ينهار؟
الكاتبة تطلب ببساطة من الفتاة أن تنام كالثعالب، بعين مفتوحة وعين مغلقة، تتلفت حولها خوفاً وهي في المكان الوحيد الذي من المفروض أن تكون مطمئنة فيه، ترتدي كل الملابس في المكان الطبيعي الذي نرتدي فيه ما يريحنا.. بينما ينام الأخ ملء جفنيه عالماً أن سره المشين لن يجرؤ أحد على كشفه وينتظر المرة القادمة التي ينتهك فيها جسد أخته بحرية!
وكما يستكين صاحب الحق للظلم الواقع عليه بحجة أن الله يجزي المظلوم ويثيبه، أخشى جداً أن يظهر علينا من يطلب من الفتاة أن تصمت أثناء التحرش بها كي تحصل على ثوابين : "ثواب ستر الفضيحة" وثواب الصبر على التحرش كي نحافظ على "تماسك" المجتمع وسمعة مصر!
الهزيمة الموجعة هي التي تأتيك حين تكون جراحك من الهزيمة الفائتة قد ذبلت واختفت إلا من ندوب لم تعد تؤلم. الهزيمة الحقيقية هي التي تأتيك في غفلة بعد أن تكون قد استعدت كل قواك من معركتك التي خسرتها منذ زمن ليس بطويل. تأتيك بعد أن يكون جسدك قد لعق جراحه والعظام المكسورة قد التأمت جيداً والأجزاء الزرقاء عادت للونها الوردي الشاحب الطبيعي.. هنا فقط تبدأ معركة جديدة دون إرادتك، وتغطيك الجراح الجديدة في أماكن كانت سليمة فقط منذ ساعات.
الهزائم المتتالية في معارك وهمية -لأنك لم تحارب فيها قط- ليست موجعة في الحقيقة. الحكمة تكمن دائماً في الرخ الذي يتركك الليل بطوله كي ينبت لك كبد جديد ينهشه هو في الصباح.. هكذا، ببساطة لأنه يعلم أنه إن لم يترك لك وقتاً تستعيد فيه كبدك فلن يكون الأمر مؤلماً؛ لن يجد ما يقتطعه منك، وهو حريص أشد الحرص على أن يتم عمله بكل ضمير، عمله: أن يقطّع جسدك كل مرة بمنتهى الألم دون أن ينهي حياتك.
يجافيها النوم ليلاً. تروح وتغدو بين الجدران، تتبادل مع النوافذ وقفاتها وهي صامتة. تتعانق درجة حرارة جسدها لمرتفعة مع رائحة الفراغ وزخم الأفكار التي لا تنتهي فيصبح الليل بالنسبة لها عذاباً مقيماً ليس من سبيل لتفاديه. تزور الفراش عدة مرات. تحاول الاختباء بين ذراعيه فيشعر بها ويضمها إليه أكثر. تظل عيناها مفتوحتين بعناد وتفشل تماماً في أن تنظم حركة أنفاسها مع أنفاسه المنتظمة. تتقلب يميناً ويساراً فيسوء الوضع أكثر فتغادر الحجرة كلها قبل أن تنشر عدوى الأرق فيها.
تخرج للشرفة المظلمة. يبدو السواد كئيباً خاصة مع انعدام الأصوات واختفاء القمر وأجنحة الوحدة المشرعة حولها فتعود للجدران من جديد. تحاول أن تقرأ، تنشغل بالصفحات لفترة حتى يفزعها صوت المؤذن الذي انطلق فجأة. تتذكر أن صنبور المياه مازال جافاً، لأن هذا هو موعد انقطاع المياه المعتاد.. من منتصف الليل وحتى الصباح. تتوضأ بالمياه القليلة التي ادخرتها منذ نهار اليوم السابق وتصلي.
تعود للقراءة لكنها تجد أن الملل قد تمدد على الصفحات بكل الزوايا أمامها فتلقي بالكتاب بعيداً. تفكر في العودة للفراش مجدداً وتطرد الفكرة لأن النوم الآن أبعد ما يكون عن جفنيها. يقتلها شعورها بالاختلاف والوحدة والذنب لأن أبسط الأشياء كالنوم ليلاً في أحضان زوجها تبدو مستحيلة بالنسبة لها الآن.
تتذكر وقت أن كانت تنتظر الليل بفارغ صبرها كي تحادثه طويلاً ثم تبدأ في محادثة الورق بعدها. لماذا توقفت الكلمات عن التحدث إليها؟ لماذا هجرتها؟ منذ زمن توقفت رغم وفرة وقت الفراغ و ازدحام عقلها.
تختنق وتبكي.. ثم تتوقف فجأة لتقتطع ورقة من دفتر وصفات الطهي الذي صارت تضعه أمامها دائماً. تشعر باللامبالاة والجرأة وهي تردد لنفسها"هشخبط، هكتب أي حاجة ان شالله أرسم حتى". تتسمر كثيراً، ترسم وروداً صغيرة بلا عناقيد وتتذكر فجأة أمنيتها في أن تكون مصممة فساتين زفاف. تبدأ في رسم مخطوطاً ينتهي إلى شكل غير مفهوم لفستان طفولي كالذي كانت تغطي به رسوماتها وهي صغيرة. تقرر أن تحتفظ بالرسمة لتذكر نفسها يوماً أنها حاولت.
أفكار عشوائية تظهر لها فجأة. تكتبها كلها بسرعة ثم تتوقف لتقرأها.. تكتشف أنها نصبت نفسها فيلسوفة وحكيمة في نفس الوقت، تكتب بصيغة "نحن" وتعمم كل القيم والأفكار في خيط فلسفي ساذج لا نهاية له. تبرق لها جملة واحدة تمسها فعلاً، تقرر ألا تنتظر بقية السيل فتكتبها فوراً. تلاحظ أن معظم كتاباتها عنها.. تدرك أنها وبعد كل ما فات مازالت لا تعرف أحداً سواها.
يعاندها القلم كثيراً، تكتب جملاً كثيرة لا تشعر بأي منها فعلاً، وكأنها تفكر بشيء فينتج شيئاً مغايراً له تماماً. تقرر أن تستكمل الكتابة رغم ما يحدث على سبيل التغيير. تتلاحق الكلمات سريعاً، تبدأ في الرضا أخيراً عن سطر كتبته كما كانت تريد. تستمر الكتابة و يزيد تقبلها لسطر آخر، لفقرة ثم لصفحات متتالية انهمرت كالمطر لا تعرف من أين. تتوقف وحبات العرق على جبينها، تكتشف أنها سودت أكثر من 6 صفحات بفقرات كثيرة تشعرها بالكمال وبأنها هي من جديد. تكتشف أيضاً نور الصباح الذي غافلها وغمر كل جدران البيت بالأبيض وصوت المياه الذي صار مسموعاً وهي تتدفق من صنبور كان جافاً منذ ساعات.