كعادتي، كعادة الإنسان المعاصر طبقاً لتعاليم الحكيم ت.س.إليوت، تجافيني الراحة حتى في النوم، أفتعل ألعاباً بأفكاري، بدأت أفكر في سؤال وجودي سخيف لم أملّه بعد: "هما شايفني ازاي؟"
أبدأ اللعبة بارتجال " أنا تلك التي ستراها تبتسم بلا سبب وحدها وهي تعبر الطريق. أنا تلك التي ستسمع منها "بلد وسخة" وهي تناضل لتنزل من أتوبيس. أنا تلك التي ستسمعها تلعن "أبو الحكومة" جوار عربات الأمن المركزي. أنا تلك التي ستسمع ضحكتها عالية في أي مكان حتى لو كانت لم تتخلص بعد من آثار سقوطها على الرصيف. أنا تلك التي سترى ذراعها طويلاً في أي ندوة او محاضرة لأنها تريد أن تعترض أو توضح وجهة نظر قد لا يهم الآخرون سماعها. أنا تلك التي ستؤلمك (دماغك) منها لأنها لا تصمت أبداً. أنا تلك التي ستسمعها تنتقد كل ما لا يعجبها بكل وضوح حتى لو سببت لنفسها المشاكل وستدرك أنت بعدها أن ذلك - طبع- فيها للأسف. أنا تلك التي ستجدها ممسكة بيديها الاثنتين "مائة عام من العزلة" وتقلب فيها كل خطوتين ربما للتأكد أنها ملكتها أخيراً. أنا تلك التي ستساوم بائعي كتب "طلعت حرب"- الذين يحفظونها تقريبا- لكي تخرج بديوان لنازك الملائكة ومجلة أدب ونقد وتعتبرهم أهم انجازاتها في الاسبوع. أنا تلك التي ستراها واقفة تبكي في وسط أروقة الكلية لأنها "مدخلتش محاضرة الشعر". و أنا تلك التي ستنخرط معك في حوار بلا نهاية إذا ما تضمن الأمر كلمتي "حقوق و ثقافة". أنا تلك التي ستراها في مظاهرة أو اثنتين تهتف أعلى من الجميع لكنك لن تراها أبداً بعدها في أي مظاهرة. أنا تلك التي ستشعر بتوترها بين الناس لكن بمزيد من الملاحظة ستكتشف أنها تفتعل الضحك والسخرية حتى من نفسها كي يمر كل شيء بسلام. أنا تلك المحجبة التي ستراها على "الندوة الثقافية" تتحدث في كل شيء وأي شيء ثم تكمل كوب "الينسون" سريعاً وتدفع متجاهلة البقشيش عن عمد"!
لم تفلح معي لعبة "من أنا" تلك، ولا حتى بعد أن عصرت دماغي كي أستخرج منها صورة لي ترضيني حقاً. أجرب لعبة جديدة؛ أفردهم حولي،الذين لا أفتعل معهم بوح يجرحني، كل منهم يقبع الآن أمامي على سريري ذي الملاءات الصفراء. يدركني هاجس أن الموجودين ليسوا إلا اثنين فقط.. و ربما ثلاثة(!) أتوقف قليلاً وأحاول تذكر آخرين يمكن أن تضمهم الملاءة أمامي وأفشل. أفكر فيما سأقوله لكل منهم "يا (...) أنا محتاجة أحكي،حاسة ان روحي مليانة"، " عارف يا(.....) انا عايزة ابقى انانية النهاردة واخليك تسمعني"... أقلّب صيغاً جديدة ومتنوعة في رأسي، أعود لأبحث عن آخرين وأفشل للمرة الألف،أحيك مما مضى ألف سيناريو جديد أكفر به عن ذنوب أشك أني اقترفتها أصلاً... أشد طرف الملاءة فوق وجهي وأحاول أن أنام أو أختنق في هدوء.









